شكيب كاظم

 0
 حجم الخط

 

إنها رواية قناع، حاول الشاعر والروائي حسب الشيخ جعفر، أن يبتعد بنا عن التعرف إلى الشخصية الساردة، مشيراً إلى أن الشخص المعني؛ أجنبي؛ فتى أجنبي، أكمل تعليمه في الأقاصي الشمالية من الكرة الأرضية، واستقر به النوى هناك بعد أن وجد عملا مجزيا، مؤكدة (زينغا) زوجة الشاعر الاستوني الشهير، أن هذا الفتى الأجنبي قد أودع لديها أوراقه، أرسلها لها بالبريد، بعد أن غادر شقته نحو اللاأين، لم يترك لها عنوانه، إنه يودعها لديها خشية أن يُقْدِم يوماً ما على تمزيقها، هو لا يريد أن يغيّر شيئاً في الذي كتبه، فما كُتِب قد كتب، مؤملا أنها قد تأخذ طريقها (المُقَدّر لها والمقدور) يوماً، فالمرأة هذه لا دور لها في هذه الأوراق؛ في هذه الحكاية، سوى احتفاظها بها، ومن ثم اتفقا على نشرها.
هذه الثيمة التي يبدأ بها حسب الشيخ جعفر، سرد روايته «ربما هي رقصة لا غير» التي تولت دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد، إصدار طبعتها الأولى ضمن إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013 اتخذها قناعا للحديث عن روائي عراقي متوف منذ عقود، استقر به النوى، بعد تطواف في عدة عواصم؛ استقر به النوء في موسكو مترجما، أكلت الترجمةُ عينيه، ومات في أيام عراقية عاصفة، في أغسطس/آب 1990، لذا مرّ حادث موته المؤسف مروراً عابرا، ولم يحفل به حتى المختصون، وهو جزء من غبن الحياة، فالحياة العراقية أمست تحت وطأة حصار.

ثيمة الرواية

هذا الاستخدام؛ استخدام هذه الأوراق التي كتبها ذاك الفتى الأجنبي، الذي أودعها لدى جارته في ذلك الحي السكني الموسكوفي، مرسلا لها بالبريد بعد مبارحته شقته تلك، ولم يترك هذا الفتى عنوانا، تعيد للذهن هذه الفذلكة؛ الثيمة، استخدام غابرييل غارسيا ماركيز الروائي الكولومبي الشهير لـ(رقاق ملكيادس) في روايته «مئة عام من العزلة» في حين استخدم الكاتب العراقي محسن جاسم الموسوي في نصه الروائي «أوتار القصب» الأوراق التي كتبها الشيخ غالب، والتي أودعها صندوقه العتيق المكسو بجلد قاتم، المطلي بسواد يلمع من تحت الغبار، المرصع بمسامير صدئة، الموجود في إحدى حجرات قصر جده في المدينة، والتي يعثر عليها السيد رحيم في الحجرة ذاتها، بعد أن انتقل للسكن في المدينة، وقد استخدم الموسوي طريقة جديدة في السرد الروائي، إذ جعل الأوراق هذه يقبل على قراءتها أكثر من قارئ، كلٌ يحاول تسجيل حواشيه وأفكاره على المتن، إضاءة للنص الروائي الجميل، في حين استوحى عبد الخالق الركابي نصه الروائي «الراووق» مما سجله (السيد نور) في مخطوطته.
ويعود الروائي المغربي سالم حميش بنا بعيدا، لينقل لنا نصا موغلا في القِدَم؛ مكتوبا على رقاع من الجلد، آل بعد زمن طويل إلى منصور الكرخي، الذي يحاول ترميم الرقاع، واكتناه الحروف التي ضاعت صورتها، بسبب سيرورة الزمان، ثم إن الروائي سالم بن حميش، إيغالا في التشويق والتوثيق، يوضح أن بعض كلمات الرقاع كانت (نبطية) وهي إحدى اللغات التي كانت في الجزيرة العربية، إلى جانب اللحيانية والثمودية قبل تسيّد لغة قريش.
يستخدم حسب الشيخ جعفر طرقا شتى في سرده الروائي، فهو يمزج الواقع بالفانتازيا، الواقع بالواقعية السحرية؛ أو السحرية الغرائبية، وهذه مَلَكَة التخاطر عن بعد؛ الملكة الباراسايكولوجية التي حُبِيَت بها (زينغا) إنها معهم، وقت تشاء على الرغم من البعد المكاني، حيث تقيم في (تالن) مع زوجها الشاعر الأستوني، وتستطيع أن تخمن رضاها عن تصرفاتك، أو غضبها منك من خلال هيئة الصورة؛ صورتها المؤطرة؛ المدلاة على حائط شقتك، فضلا عن برقياتها المكتنفة بالغموض، ورسائلها المختصرة كأنها البرقية.
حسب الشيخ جعفر يستخدم هذه الثيمة في سرد روايته، من خلال لغة راقية شيقة أنيقة، تذكرنا باللغة التي قدم لنا بها كتابه الذكرياتي «رماد الدرويش» وروايته السِيَرّية «الريح تمحو والرمال تتذكر» ولن أذكر دواوينه الشعرية ولاسيما «كران البور» وإذ وجدت حسب الشيخ جعفر في «الريح تمحو والرمال تتذكر» قد خفف من اندفاعاته الواصفة للعلاقات الحميمة في المخادع، التي جاءت في «رماد الدرويش» فإن روايته هذه «ربما هي رقصة لا غير» جاءت خلوا من ذلك؛ إنها تقف عند أبواب المخادع لا تكاد تريم أو تغادر، إنها رواية عفيفة بشكل من الأشكال، إذا ما قورنت بعمليه الآخرين!

ثلاثية روائية

تأخذ (زينغا) حيزا واسعا في رواية «ربما هي رقصة لا غير» التي كتبها الشاعر الناثر حسب الشيخ جعفر، وأراها ثلاثية إذا رصفناها إلى جانب عمليه «رماد الدرويش» و«الريح تمحو والرمال تتذكر»؛ ( زينغا) البنت اللقيطة التي وجدت في سيارة طبيبة مشهورة، وزوجة عالم رياضيات معروف – كذلك- الطفلة التي عانت فقدان الذاكرة؛ ذاكرتها وما عادت تتذكر أيامها التي سبقت العثور عليها، صاحية بين يدي الطبيبة، وما عاد أمامها وزوجها سوى تبني هذه الطفلة المتروكة في سيارتها، (زينغا) التي حباها الله صفات فائقة التفرد؛ التخاطر عن بعد، والحدس بما سيقع لاحقا، بل أنها توقِع الأذى بالفتيات اللواتي تراهن ينافسنها على قلب هذا الفتى الغريب الذي تعرفت إليه، وكثيرا ما أخبرته عمن كان يجالس من الفتيات، على الرغم من بعد المسافات بينهما، إذ هي تحيا في (تالن) العاصمة الأستونية صحبة زوجها الشاعر.
حتى إنها تأخذه مرة في رحلة إلى تالن، وتعود به من غير أن يفقه من أمره شيئا؛ إنه لا يتذكر أي شيء من هذه الرحلة، بل بالحري أشياء قليلة، ولولا الأختام الممهورة على جواز سفره لارتاب في حصول رحلته تلك أصلا.
السارد لا يسمي شخوص روايته، لا يطلق أسماء على شخوصه، سوى اثنتين (زينغا) و(دنيا) أما كل الأخريات والآخرين فيطلق عليهم نعوتا؛ صفات، فهذا الشاعر الأستوني، وذاك الفيلسوف، وذياك المدير الطويل الأعجف، وهذه (الصفراء الحكيمة) وتلك السكرتيرة، وتلكما المناوبتان الطيبتان اللتان تسقيانه شايا زاكيا، وثمة الحدباء الخبيرة؛ خبيرة الكتب القديمة، وهناك (الصبية) العمياء بوجهها المليح وعينيها الصافيتين البديعتين، الصبية المليحة، والفتاتان العاهرتان رائعتا الجمال المتحفظتان اللتان يعرفهما مذ كان طالبا وغيرهن كثيرات.
إن عدم تسمية كل هؤلاء النسوة والفتيات اللواتي مرّ بهن أو مررن به، يوحي بأن علاقة السارد معهن، علاقة عابرة، فهو الأجنبي الغريب، الذي يمضي أيامه في الترجمة والقراءة، حتى أن إحداهن تؤكد قائلة له:
– أنت تقرأ وتترجم أكثر مما تكتب لا تهمل الكتابة يوما واحدا.
هو الذي ظل يكتب عن أجواء بلاده، على الرغم من ضبابية الصورة بسبب البعد الطويل زمنيا عن بلده، لقد أضحت صورة بلده في ذهنه مُغَبّشة مُضَبّبة. رآها علاقة عابرة معهن كلهن، لا تتعدى الذهاب إلى مطعم، أو ارتياد دار سينما، أو التجوال في الشارع، وصولا إلى المجمع السكني ومن ثم الشقة فغرفة النوم! إنه بايرون النساء ودون جوانهن، وليذهب إلى الجحيم قيس بن الملوح، وقيس بن ذريح وجميل بن معمر وكل أصحاب الهوى العذري العفيف.

كاتب عراقي

((القدس العربي))