آنجيليكا غارنيت تقفز من فيلم “الساعات” إلى الأدب والتأريخ الثقافي

آنجيليكا غارنيت (غيتي)

في واحد من المشاهد الجميلة في فيلم “الساعات” للمخرج ستيفن دالدري، وهو فيلم يتحدث عن فرجينيا وولف وانتحارها، إنما من خلال تقسيم شخصية روايتها المحورية “مسز دالاواي” على ثلاث نساء ينتمين إلى ثلاث مراحل زمنية، أولهن وواحدة منهن فقط هي فرجينيا نفسها، يطالعنا لقاء بين هذه الأخيرة والطفلة آنجيليكا ابنة أختها ستيفاني.

 كانت آنجليكا حينها في الثامنة من عمرها على الأكثر، لكن لقاءها بخالتها من حول موت عصفور صغير ودفنه، أتى ليكشف عن وعي مبكر لدى الطفلة. ولئن كان الفيلم يترك هذه الشخصية في طفولتها وبراءتها من دون أن يقول لنا شيئاً عن مصيرها وحياتها خلال سبعة عقود تالية وأكثر من السنين، فإن الزمن المقبل، زمن ما بعد الفيلم وخارجه سيقول لنا إن الطفلة ستكون لاحقاً وحتى رحيلها عام 2012، واحدة من كاتبات الإنجليزية الكبيرات حتى وإن لم تضاه قامتها قامة تلك الخالة التي يبدو لنا في الفيلم أنها كانت تبدو مثلاً أعلى لها، فيما كانت فرجينيا تحدث آنجيليكا حديثاً شيقاً ناضجاً، يتناسى أن هذه كانت مجرد طفلة في ذلك الوقت.

حياة طفلة لا تنسى

مهما يكن، فإن ما نتحدث عنه هنا ليس الفيلم البديع على أية حال، والذي يخدم الرواية روحاً ومبنى بشكل مدهش، ولكن الطفلة نفسها في حياتها التالية لأحداث الفيلم، وبخاصة في تلك النصوص المتأرجحة بين التخييل والتوثيق، والتي رصدت فيها بشكل غير مسبوق الحياة الداخلية لمجموعة بلومسبيري الأدبية والفكرية، التي كانت متشكلة خلال تلك المرحلة المبكرة من حول فرجينيا وولف وزوجها الأديب الناشر، وشقيقتها فانيسا بيل التي ربما تكون اشتهرت في حياتها أكثر ما اشتهرت بتلك اللوحات التي صورت فيها أختها فرجينيا في حالاتها المتعددة. ففانيسا، إلى جانب اهتماماتها الأدبية النضالية النسوية وحتى السياسية القريبة من الجمعية الاشتراكية الفابية، كانت رسامة أيضاً، وهو أمر ظلت ابنتها آنجيليكا تذكّر به طوال حياتها وفي العديد من كتاباتها، في محاولة دائبة لإعادة الاعتبار لتلك الأم التي رأيناها في فيلم “الساعات” ذات حيوية فائقة، ولكن كربّة عائلة وأم وسيدة مجتمع، وقد “سها” عن بال المخرج كونها مبدعة بدورها!

كتابان لتوثيق مرحلة وحساسياتها

قبل رحيلها بسنوات قليلة، كانت آنجليكا وقد دنت من سنواتها الـ 90، أصدرت كتاباً عنوانه “حقائق مسكوت عنها”، اعتُبر من قبل النقاد نوعاً من الاستكمال لكتاب سابق لها عنوانه “لطف مخادع”، حتى وإن كان كل من الكتابين ينتمي الى نوع أدبي مختلف عن الآخر. فالكتاب السابق تسجيلي تاريخي يحاول أن يستجلي جملة من الحقائق حول تلك الجماعة التي تعتبر أسطورية، وبالتالي فإن آنجيليكا تحاول جهدها ليس فقط أن تصف ما عاشته وشاهدته في تلك الحلقات، بل أكثر من ذلك وأهم منه، ما بقي في ذاكرتها مما تسميه “تلك الصراعات المليئة بضربات ما تحت الحزام، والمدعومة بحيوات حافلة بالأكاذيب والخيانات”، وهو ما لا يمكن أحد أن يتوقعه خلال بحثه في تاريخ تلك الجماعة التي كانت تبدو دائماً مثالية، مشاكسة على كل أنواع الامتثال، مؤيدة لكل القضايا العادلة. والحال أن تلك هي الصورة التي تمكنت آنجيليكا من زعزعتها بعد عقود طويلة من السنين في كتاب شيق يُقرأ كرواية، ما يكشف عن موهبة أكيدة تبدت لدى تلك الصغيرة التي كان من شأننا منذ شاهدناها تتحدث إلى خالتها الكاتبة الكبيرة، أن ندرك أنها سوف تصبح ذات شأن يوماً ما.

حقائق حياة عائلية

أما الذين حين قرأوا “لطف خادع” قبل سنوات، ولم يفتهم أن يتساءلوا لماذا تغيب المؤلفة نفسها عن الكتاب، هي التي عاشت سنوات طفولتها وربما صباها المبكر أيضاً وسط الجماعة، فلسوف يجدون الجواب المسهب على هذا السؤال في الكتاب الثاني “حقائق مسكوت عنها”، ولكن عبر كتابة قصصية ذات حسّ روائي هذه المرة، فهذا الكتاب المؤلف من قصص طويلة يشكل بعد كل شيء، نوعاً من سيرة ذاتية للكاتبة نفسها. سيرة تستكمل كما أشرنا قبل قليل، تلك الصورة التاريخية “التسجيلية” من منطلق ذاتي.

وهكذا مثلاً نجدنا في النص الأول والمعنون “حين كانت كل الأوراق خضراء يا حبي”، أمام صورة بديعة لطفولة الراوية التي سرعان ما نخمن أنها ليست سوى المؤلفة نفسها، إذ تصف لنا حياة مركبة وسط أسرة لا تكاد تهتم لشيء آخر غير الفن. ويتضح من الوصف الذي تقدمه المؤلفة لتلك العائلة أننا في إزاء جماعة بلومسبيري نفسها، وأن الصغيرة التي تتجول بين أفراد العائلة وتعاني من افتقارها إلى الحنان بين أحضانهم ليست سوى آنجليكا نفسها التي تكتب بعد عقود بشكل يجعل المعلقين على الكتاب يتحدثون عن تحليل سيكولوجي لاحق، تقوم به الكاتبة وهي تتأمل ذلك الجزء من طفولتها والأقارب الذين يسكنون تلك الطفولة من موقع يجعلها تصور كل واحد منهم وكأن عمله، أو بالأحرى وجوده في النص، لا يهدف إلا لخدمتها شخصياً، بحيث أنها تسقط على كل واحد منهم هواجسها الخاصة في لعبة إسقاط متقنة. وفي النهاية يبدون جميعاً وكأن ليس لهم من وظيفة غير تحقيق تلك التوليفة بين العزلة التي يتطلبها الإبداع والحياة الجماعية التبادلية التي يحتاجها التحلق من حول عائلة أو جماعة ما.

وفي السياق نفسه، يأتي النص المعنون “حب” ليتجاوز حكاية الجماعة، ويبدو أنه ينهل من تلك الحياة الأخرى التي عايشتها آنجليكا، وهذه المرة أيضاً كما يبدو كمراقبة عن كثب، حياة أمها فانيسا التي أنجبتها هي نفسها من الفنان دانكان غرانت، الذي سنعرف أنه هو الوالد الحقيقي لآنجليكا التي كانت تعتقد أول الأمر أن والدها هو كليف بيل، الزوج الشرعي لفانيسا، والذي كانت أنجبت منه ولديها الأولين اللذين يكبران آنجليكا بسنوات عدة، ولقد شاهدناهما أيضاً يزوران في صحبة أمهما الخالة فرجينيا وولف في بيتها الريفي في ريتشموند في جزء من ذلك المشهد نفسه من فيلم “الساعات”.

صراع مع الشبح الحبيب

إذاً في الكتاب الروائي نبقى مع الحياة العائلية نفسها التي كان كثر يعرفون عنها أشياء كثيرة، ولكن هذه المرة نبتعد بعض الشيء عن فرجينيا وولف، التي بقدر ما كانت محوراً للعائلة كما لجماعة بلومسبيري بل حتى لحياة أدبية بأسرها، كان من الطبيعي لآنجيليكا أن تحاول إعادة الاعتبار لمكانة أمها فانيسا في العائلة، كاشفة عن بعض الأسرار العائلية ولكن بصورة مواربة. ومع ذلك، حتى ولو كانت آنجليكا قد أصدرت كتباً أخرى عدة، فإن الوحيد الذي دنا من النوع الروائي كان هذا الأخير، فإنها لم تتمكن من مبارحة ذلك الظل الكثيف الذي بقي طاغياً عليها وعلى أمها وجماعة بلومسبيري بأسرها، ظل فرجينيا وولف. فمن فيلم “الساعات” إلى عشرات التعليقات التي طاولت وتطاول دائماً كتب آنجيليكا غارنيت، لا يمكننا أن نراها أو نعايش أفكارها وجمال لغتها الأدبية من دون أن يمر شبح فرجينيا بنا، أو ربما من دون أن تطفو على ذاكرتنا “مسز دالاواي” التي كانت فرجينيا تكتب حكايتها بقدر كبير من الصعوبة والشجن، في الوقت الذي جرى فيه على الشاشة أمام أعيننا ذلك المشهد، الذي بقدر ما صوّر معاناة الفنان (فرجينيا وولف هنا) وهو يرسم معاناة شخصية ابتكرتها معاناته الخاصة، صوّر كذلك تفتح طفلة على الحياة والإبداع، طفلة سوف تكشف لنا كتبها ولا سيما منها الكتابان اللذان نتحدث عنهما هنا، كم أنها أمضت سنوات حياتها الطويلة، التي زادت عن الـ93، وهي تحارب ذلك الشبح الحبيب الذي رافق حياتها كلها: شبح فرجينيا وولف/مسز دالاواي.

https://www.independentarabia.com/node/25960