“آب أقسى الشهور يشعل الليلك في الأرض الخراب” قصيدة المأساة ممزوجة بأمل القيامة

مشهد من مرفأ بيروت بعد الإنفجار: لوحة للرسام شوقي شمعون (صفحة الرسام على فيسبوك)

استحضر اللبنانيون أمس في الرابع من آب (أغسطس) أعتى مجزرة عرفوها في تاريخهم المعاصر والقديم، وقلبت بنيانهم رأساً على عقب، وأزهقت أرواح أكثر من مئتين وأربعين من شيبهم وشبابهم وأطفالهم ممن كانوا يزاولون حياتهم الطبيعية، في جوار مرفأ بيروت، وأصابت سبعة آلاف وأكثر منهم بجروح لن تمحوها الأيام إن حصل شفاؤهم منها، أضف إليها أضراراً في سبعين ألف منزل ومئات المدارس والمستشفيات والمؤسسات الخدمية وغيرها.

إذاً، لقد كان الرابع من آب، من عام (2020) اللحظة التاريخية المأساوية التي ألهمت الكثير من الشعراء والكتّاب أن يخطّوا أعمالاً أدبية وشعرية، ومنهم الشاعر عقل العويط (1953) الذي كان سبق له أن أنجز عملاً شعرياً، هو المرثية الأولى لبيروت بعنوان “الرابع من آب 2020” والصادر عن دار شرق الكتاب، وفيه غنائية رفيعة وإعلاء للمدينة الشهيدة من منظار الناجي من مقتلة العصر، والضنين بمدينته لحظة نكبتها، والحائر إزاء جراحها التي لا تُحصى، ومنشد أناشيد الحبّ والوفاء والفخر بالصّرح المثال، والذاهل حيال مشاهد المقتلة وفظاعتها المدوّية.

في المجموعة الشعرية الصغيرة “آب أقسى الشهور يشعل الليلك في الأرض الخراب” (2021) والصادرة عن دار نلسن، والموشّحة برسوم للفنان حسن جوني، يرافع الشاعر عقل العويط، كما هو بادٍ في العنوان، عن مقولته التي مفادها أنّ شهرَ آب هو أقسى الشهور، في ردّ (وتناصّ) على مقولة تي. أس. إليوت، الشاعر الإنجليزي الواردة في سياق قصيدة طويلة ألّفها، إثر الخراب والموت العميمين (20 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى، و50 مليون وفاة من جرّاء الإنفلونزا الإسبانية) إذ يقول: “نيسان أقسى الشهور، إذ يولّد الزنابق التي تنبثق من الأرض الموات، ويخلطُ التذكّر بالرّغبة، ويوقظ بأمطاره الربيعية الجذور عديمة الحراك…”.

نفي مسلّمة إليوت

وعلى ما أشرتُ، يستهلّ الشاعر العويط قصيدته الأولى، والأكبر بين قصائد المجموعة الخمس (ص7-21)، بالانطلاق من نفيه مسلّمة إليوت أو مقولته المقتبسة من شعره في ما خصّ نيسان، فيقول:”أبدأ بالنفي، خجلاً من رحابِ اليقين./ أنا الذي لا يملكُ من أسباب هذا اليقين إلاّ الموت، أقولُ إنّ بيروتَ ليستْ بيروت/ ولبنان ليسَ لبنان،/ أرضُكَ الخراب، وأرضكَ اليباب، هي درّة الملاحم الشعرية الحديثة… ولكنّ بيروت ليست لندن،/ ولبنانُ لنا، هنا والآن، ليس بريطانيا العظمى، ونيسان ليس هو أقسى الشهور…” (ص6-7).

ومن ثمّ يروح الشاعر يستقصي الحالات والمشاهد والبيّنات الكثيرة الدالّة على صوابِ نظرته، وبطلان نظرة الشاعر إليوت إلى شهر نيسان، واعتباره أقسى الشهور. وليس أدلّ على ذلك سوى المظاهر المستفادة من مأساة بيروت التاريخية، الحاصلة في الرابع من آب، من عام 2020، وفي بلاد نُكبت بسياسييها قبل نكبتها في المرفأ، على ما يقول الشاعر: “أنّ بيروتَ ليستْ بيروت/ ولبنانَ ليس لبنان،/ لمْ نحظَ من الشّهورِ إلاّ بالحرائق، ولا من الحكّام إلاّ بالحثالة، ولا من الأنهر إلاّ بالدّفق من المراحيض، أرضنا ارضُ عنابر نيترات وضرائح بيوت، وأرضك ملوكٌ وملكات، ولكنّي لن أقايض الشرق بالغرب، ولا البحر المتوسّط بنهر التايمز، مهما جارت علينا المشارق والموانىْ والشطآن…” (ص8).

وإذ يخاطب الشاعر العويط الشاعرَ الإنجليزي إليوت، بنبرة ملؤها المرارة والأسى، دحضاً لمقولته الآنفة، فإنه يسعى إلى إقناع القرّاء، واستثارة مشاعر الحزن فيهم على ما أصاب صورة البلاد من تشوّه ذروته انفجار الرابع من آب (2020). ثمّ لا يني الشاعر يستعير منطق منْ يجادله، في الإقناع ببطلان الادّعاء الأول، عنيتُ به “أنّ نيسان أقسى الشهور”، فيناقشه في حججه عن الأرض الخراب، أو اليباب، ويسائله إن كان عرف بمآل مرفأ بيروت، أو إذا ما تناهى إليه خبرُ النيترات التي انفجرت، فأطاحت بالحجر والبشر وأفنت معالم الحياة فيها، نظير ما تفعله القنبلة الذرّية حالما تُسقطُ على مدينة، إبّان الحرب، لأجل أن تعلن استسلامها الكامل للعدو، ولا حربَ تخوضها البلاد بإرادة وطنية شاملة، ولا عدوّ يطالبها بذلك علناً.

ويواصل الشاعر مخاطبة إليوت، فيحدّثه عن الحبّ في بيروت، وعن النساء “اللواتي يفهمنَ الجوهر ويعشقنَ الحرّية، وعن الشّعر فيها، وعن ماضي المدينة والترامواي الذي كان يحمل إلى قلبها كلّ من به هوىً إلى بيروت، فقراءها وأغنياءها، وسكانها الأصيلين والمتيّمين بانفتاحها على الدنيا، وبعلمها ومدنيّتها الحديثة التي استحقّت بذلك أن تُدعى “درّة الشرق”. ولئن شهدت بيروت من أزمنتها السحيقة، ما شهدته مدن الحضارات القديمة، من تزاحم آلهة، ومعتقدات، وتعاقب أديان، على ما يتابع الشاعر العويط تذكير مخاطبه إليوت به، فإنّ “الآلهة لم تعدْ فقيهةً، هنا الآلهةُ عديمةُ الفائدة” (ص20).

رثاء يليق بالماضي

هو رثاءٌ موجع، ودفاعٌ مقنع عن مقولة الشاعر العويط، في أنّ آب هو أقسى الشهور على الإطلاق، وأنّ مدينة بيروت، وإن لم تكن نظير لندن بالحداثة والعراقة، فهي أهلٌ لأنْ تُرثى، لحظة موتها أو موت أهليها، انفجاراً بالنيترات، رثاءً يليق بماضيها ويرقى إلى سموّ الدماء الغزيرة والعزيزة التي سالت في جوانبها وحاراتها وشرفاتها المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، والمهراقة مجّاناً ودفاعاً عن رحابة اليمّ والأفق المنفتح إلى ما لا نهاية.

في القصيدة الثانية بعنوان “عمود النّار”، يذوّب الشاعر غنائيّته في مخاطبته بيروت، فيجعل منها كائناً أنثوياً، متشكّلاً من كلّ فلذة من تلك المدينة الجريح، بيروت، نظير اللوحة الكبرى وقد اإتلفت من سماتٍ وقسمات، ومشاهد آسرة. يقول الشاعر العويط في وصفه بيروت المنارة:

“تضيئينَ أمامَ سفنٍ ضاعتْ في البحرِ”، وهي الواقفةُ أمام الجبالِ، ولا تتكلّمُ لغةً بل لغاتٍ، وتلتئمُ برموزها: “كأنّكِ حديقة/ تنوبُ عنها العطورُ والحساسين/ زهرةٌ ترجّفُ الهواءَ” (ص23-24).

إنها، بحسبه، الكائنُ الحقيقيّ الوجود، والمثاليّ الفعلِ في الزمن، وقد أصابها الهلاكُ أو نفذ إليها فجأةً، فلبست الحدادَ عاماً كاملاً، لم يعدْ في خلاله “الأطفالُ إلى المدارس، ولا غفتْ غفوةُ، ولا ذرّة نسيان، يا بيروت” (ص25). هي غنائية أثيرية، مضمّخة بصوَر فريدة، مركّبة من تلاوين ناريّة وسماوية وسديمية، في آنٍ، جعلها الشاعر كفيلة بنقل تصوّره المتخيّل مقروناً بتجربته الحسية والحياتية الأليمة. غنائيةٌ تحمل بيروت فوق المدن، وترفع لها نصباً من جمال ريفيّ، وأنفةٍ عصيّة على التّلاشي، تمدّ الشاعر بالمزيد من العزم للصمود في وجه الزمن والخراب والعدم: “كعمودٍ من نارٍ/ تضيئينه/ وبعينيكِ السّاهرتين/ أهتدي،/  رغمَ خرابكِ العميم” (ص25.).

في القصيدة الثالثة، بعنوان “أسرار” يعود الشاعر العويط إلى استراتيجيته الأثيرة، عنيتُ المرافعة الدلالية، لصالح المدينة الجريح، ومن منطلق رؤيته الخلاصية التي ترى في جراحها علامة على صمودها وارتقائها وانتصارها الأخير على جلاّدها الشرّير: “قدماكِ مضفورتان بالشّوكِ/ لكنّهما تمعسان رأس الأفعى./ ثأرُكِ ليسَ شرّيراً/ لكنّهُ يمحقُ الشّرّ” (ص28).

اليقين القوي

وفي صلب هذه الرؤية أنّ قاتليها سوفَ يُسامون عذاباً، وسوف تُظلم عليهم الدنيا والآخرة: “قتلاكِ دافئونَ نائمونَ حالمون/ قتَلَتُهم/ لنْ يبصروا نوراً/ لنْ يعثروا على فجرٍ” (ص29).

ثمّ إنّه اليقينُ الإيمانيّ نفسه الذي لا يتزعزعُ لدى الشاعر في أنّ كلّ خير وخيّر يلقى الأمانَ والنّورَ، وكلّ شرّ وشرّيرٍ مآلهما الظّلمة الحالكة، لا محالة، على الطريقة الصابئية أو غيرها. يقينٌ يؤازرهُ حكمُ الطّبيعة القاهر، ورمزيّته التي لا تُردّ، إذ يقول: “الفجرُ لا يستأذن أحداً،/ لا يطلبُ السّماحَ من إلهٍ/ فكيفَ من حاكمٍ أو طاغية؟” (ص30).

أما القصيدتان الختاميّتان، الرابعة والخامسة، وهما على العنوانين الآتيين: دمعٌ وصريفُ أسنان، وأقسى الشهور آب، فهما قصيدتان قصيرتان، بل موجزتان، ومكثّفتان؛ في الأولى يظهّر الشاعر عقل العويط نظرته الفلسفية المكوّنة من خليط المسيحية وأفكار نيتشه، في ما خصّ تطلّبه المثال والتسامي على الجراح، وفي نزعة لزوم الشرّ والتدمير الذاتي الماثلة في وجدان البشر: “والشرّ يحملُ بزورَ دمار عندما يحينُ أوانُ التدمير الذاتي…” (ص31).

في القصيدة الأخيرة “أقسى الشهور” الموجزة للغاية، والمقتصرة على مقطع نثريّ وحيد، تذكيرٌ للقرّاء بمقولة الشاعر الأثيرة، والبديلة من مقولة إليوت، عنيتُ: “أقسى الشهور آب” والتي رافع عنها في مطوّلته السالفة. “اعذرْني يا تي. أس. إليوت” لأنّي لجوجٌ. فكما بدأتُ بالنفي، أنهي بالنفي… نيسانُ ليسَ أقسى الشهور، ولندن ليست بيروت… الموتُ هو اليقينُ، ولكنّه ليس الوحيد. آبُ هو أقسى الشهور، وبيروت،

التي/ لم/ تعد/ هي/ إياها/ستعود/ إياها/ حتّى/ الشّرق/ وهي/ لا/ تريدُ/ يا/ إليوت/ أنْ/ تموت” (ص34).

https://www.independentarabia.com/node