الشاعر الروسي أندريه فوزنسنسكي

12 مايو 1933 – 1 يونيو 2010
في بريد السماء الافتراضي

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

ما أن غُمرت تلك السهول الشاسعة بالأمطار،حتى سارع بالهرولة تحت البرق والرعد والمياه التي باتت تتساقط عليه بغزارة.فيما تسمرت أقدامنا بمسامير عملاقة ،ولم نستطع التحرك بعيداً عن محطة المركبات الفضائية في ذلك الصباح العاصف.
تأخر حوارنا مع الشاعر الروسي أندريه فوزنسنسكي ساعات طوال ،حتى عاد إلينا على ظهر طائر ((كلامورا)) ذو الرأس الزجاجي والجناحين المصنوعين من الحرير،فجلس معنا معتذراً عما فعله بسبب ضيق نفسه وارتفاع منسوب الكآبة بدمه.
أخبرناه عن إمكانية تأجيل الحوار إلى وقت آخر،لكنه هزّ رأسه ممانعاً.وحينما استفسرنا عن سبب قلقهِ،أجابنا بأن ليس أمامه من خيار آخر للحديث عن نفسه مرة أخرى كشاعر ،لأن العرش الإلهي أخذ قراراً بتدوير الشعراء عن طريقة سلخ كل شاعر عن ظله،وبالتالي ليصبح – الخيال – هو المعني بتأليف الشعر والحديث عنه في الصحف ومواقع التواصل والمحافل الأدبية في العالمين السفلي والعلوي على حد سواء.
ضربتنا الفكرةُ بصاعقة لا تحتمل.مما دفع بنا إلى الاستعجال بفتح باب الحوار مع الشاعر أندريه فوزنسنسكي قبيل أن تتم عملية الفصل المرعبة تلك.
قلنا له بصوت مضطرب :
س:كيف كانت مراحل نموكَ جنيناً في الرحم؟
ج/كانت مراحل عصيبة،لأن رحم أمي كان أشبه بمدرسة لتعليم الفلزات.
س:ماذا تعني بذلك يا أندريه ؟!
ج/ما قصدته هو أنني استطعتُ الاستفادة من مختلف البروتينات التي تحفلُ فيها أكياس الأمهات .
س:هل استفدت من تلك البروتينات وكتبت شعراً داخل الرحم؟
ج/لا لم أتمكن من ذلك بسبب الضوضاء الخارجية التي كانت تتسرب لمكاني الباطني،مما شكلت أولى الموانع لكتابة الشعر الحر.
س:وذلك ما دفع بك للانتماء فيما بعد إلى الهندسة المعمارية لتتخرج برتبة مهندس.أليس كذلك يا أندريه ؟
ج/بالضبط. فذلك ما حدث لي منذ يوم خروجي من الرحم إلى حضن الحياة الحجري.كنت مولعاً بالشعر حتى رضاعة اللغة.
س:هل رضعت الحبر أولاً أم حليب الثدي ؟
ج/أحسستُ بأنني كنت أسقي روحي بذلك السائل المُوَحد من خلاصة الحليب والحبر، مضافاً إليهما قزح النحل وحَيرةِ الفراشات.
س:أكنتَ منغمساً بهواجس بناء الجملة الشعرية وفقاً لهندسة اللغة الروسية ؟
ج/لا أعتقد إن كان ذلك صحيحاً، بفعل تفضيلي للاندماج بلغة الحواس على أي شيء آخر في الكتابة أو الهرولة في شوارع العالم.
س:كيف يركض الشاعرُ في القصيدة يا أندريه؟
ج/ بمجرّد خلع ملابسه على عتبة اللغة.
س:وهل للغة عتباتٌ ؟
ج/أجل. وأول تلك العتبات الهُدهُد .
س:وما علاقة ذلك الطائر بالعتبات اللغويّة ؟
ج/الهُدهُد يا صديقي كشّافٌ للمياه تحت التربة.وهذا ما يؤسسُ لعلاقات وَطيدة ما بين طائر من ذلك الطراز وما بين الشاعر المناوئ للتصحّر.
س:متى يتحوّل الشاعرُ إلى طير برأيك؟
ج/حينما يسقطُ الشاعرُ بالحبِ ،فسرعان ما يرتفع للسموات بأكثر من جناح.
س:تقصد أنه يذهب لاكتشاف المياه في الجحيم السماوي؟
ج/لا يوجد جحيم في السموات بفضل وجود النساء هناك. قد أكون مخالفاً لما أُنزلَ في الكتب المقدّسة، ولكنني لا أعتقد بأن من أعمالِ الرب إيقاد النيران وتعذيب كائنات هي بالأصل من اختراعهِ وخلقهِ.
س:هل كنت مؤمناً يا أندريه فوزنسنسكي ؟
ج/ما من كائن على الأرض إلا ويكون مؤمناً بأمر من الأمور المجهولة المبهمة التائهة داخل العقل البشري والمحلّقة من حوله .
س:هل الإيمان بالمفازة العقلية هو نوعٌ من الاختبار لفحص قدرة الكائنات على التخلص من المتاهات؟
ج/وجودنا مفازة لا نهاية لها بمنطق.ولا دليل فيها يُهدي العقل للخروج من باب أو من دُوّامَة البحر التي سكنت الأرض.
س:ألا يمكن للشعر أن يكافح العدمَ بالغناء ؟
ج/ربما. فالغناء هو البروتين الأعظم لتّغذية الحواس وترميم غرفها التي عادةً ما يطال الخرابُ أثاثها بين الفينة والأخرى.
س: الغناء بصوت الشاعر ؟
ج/ولمَ لا إذا كانت وردة الجزائرية هائمة في حقول البنفسج وهي تردّدُ ((اسمعوني)) حتى ذوبان المكرفون في الأغنية.
س:ممن يتكوّن صوتُ الشاعر برأي أندريه؟
ج/عادةً ما يتكوّن صوته من حمم الآلام والانبهار الرومانسي الذي يتبوأ مركز اللذّة في جسد صوت الشاعر .
س:هل للصوتِ جسدٌ من التكوّين الموسيقي ؟
ج/بالتأكيد. وهو حاضرٌ في سيرورة الحركة المُتتالية ما بين النغمي ولمعان النجوم في المنتهى الفضائي الذي لا يدركه إلا الجنون كبطل لا ينافسه أحدٌ.
س:ومن هو الحارسُ الذي يناوب في جسد القصيدة؟
ج/ليس غير ذلك الرماد الذي يتركه الطائر الفينيقي لنصنع منه أرواحنا في تجدّد دائم بموسوعة الذكريات.
س:هل توافق بتقمص طائر الفينيق ؟
ج/لا. فأنا لا أريد أن يتحلل جسدي وسط النيران محترقاً ، ليتم تدوير رمادي فأنبعث حيّاً من جديد.
س:أكنتَ شَمّمتَ رائحةَ الموت قبل أن يصل إليك ؟
ج/لا. لم يحدث ذلك.فقد جاءني الموتُ على ظهر عربة ورقية يجرّها عشرون غراباً بقمصان بيض وقبعات من الإسفنج الأسود.
س:يقال إنك كنت رساماً .. فهل رسمتَ الموتَ بلوحةٍ ؟
ج/ :كنت على وشك اكتشافه ورسمه
س:اكتشاف الموت تقصد؟
ج/:لا ليست اكتشاف الموت،بل بذرته السرية
س:وهل للموت بذور ليزرع ويحصد ويُخزّن بالمستودعات يا أندريه؟
ج/أنا قصدتُ بذلك الزمن ليس غير.
س:وهل الزمنُ بَذْرَة الموت كما تعتقد؟
ج/أجل .فلولا دوام الزمن ،ما كان للموت أن يَدْومَ على وجه الأرض.
س:ألا ترى بأن عقلك تبخرُ من رأسك بعد صدمة هذا الاكتشاف؟
ج/ مع عقلك الحقُ بالتبخر والطيران .ولكن ليس قبل أن نعرِفَ من هو الأول بتلك المسألة الشائكة: البيضة أم الدجاجة ؟!.
س:ماذا تقصد .أن نستمرَ بمتاهة البحث دون طائل أو منقذ من هكذا نظريات؟
ج/ الموتُ أبو كلّ النظريات الثابتة والمتحوّلة ،أما الزمنُ فعربة لنقل الموتى .
س: نقلهم من المعلوم إلى المجهول مثلاً ؟
ج/نقلهم من الموت البسيط إلى الموت الثقيل.فالموتُ جثةٌ والزمنُ قبرٌ. وبهكذا تَحْليل بَدَائِيّ ،يمكن فَكَّ رموز المتاهة.
س:ألا تعتقد بأن الموتَ عربةٌ يقودها الربُ ؟
ج/أجل. لذا تراه والزمن في سجال باردٍ مُتحدٍ ،قد لا يتنافر ولا يتصالح إلا مع ذات النفس التي يتمتع بها العدم .فالناظرُ للموت شيطانٌ أميّ. مثلما الناظر للزمن ملاكٌ مُعفّرٌ بغبار التشرد.
س:كأنك فشلت بدراسة الهندسة المعمارية،وتريد الاضطلاع بدور أكبر في ما يتعلق بموضوع تبني التحليل النفسي .ما مدى صحة ذلك ؟
ج/أنا حاولتُ تجاوز العُقد الشكلانية التي حاولت تحجيم الحداثة في قوالب تنقصها الجماليات،وربما فزتُ بالتحليق فوق أطلال روسيا الكلاسيكية إلى حدّ ما من خلال منهجي الشعري المحكم بعناصر الصورة والموسيقى والتنقيب النفسي بتربة اللغة.
 
س: هل تحكمت لغتكَ فيما أنجزته بكتبك الشعرية /المنحنى/الفسيفساء/ عام 1960 و/ العوالم المعكوسة/ عام 1964 و/ مشاعر مبهمة/ عام 1981 ؟
ج/ليس بالضرورة أن يتمكن الشاعر من السيطرة على مخلوقات نصوصه كلها،فهناك أحصنة وذئاب وغربان ونمور وفراشات وكلاب،وليس بالضرورة أن تفرض سيطرتك على كلّ ما يولد إليك من قصائد.
س:أتظن أن للشعراء أرحاماً تنجبُ لهم القصائد والأشعار ؟
ج/تماماً.فأرحامُ الشعراء عادةً ما تكون برؤوسهم أو بقلوبهم.فمن كان رحمهُ برأسهِ غَنِيّ بالشحن الصوري التصويري من فيضانات المخيّلة.بينما الذي رحمهُ بقلبه،فعادةً ما يعيش اللغةَ على الأسطر العاطفية المُضطرِبة .
س: هل تعيش الشعرَ كمسرح مفتوح بلا ستائر؟
ج/ أجل.لا يمكنني الحَجرَ على الجمال أو تركه خلف الستائر.
س:إذا كان حجرُ الفلاسفة هي الكيمياء في قديم الزمان،فأين موضع الكيمياء في الشعر كما يعتقد الشاعر أندريه؟
ج/لا أظن إن للكيمياء من موضع في الشعر غير الحب.فبعض أجساد الشعراء والشاعرات شبيه إلى حدما بالأواني المستطرقة التي تتفاعل بداخلها مختلف الفلزات الحارقة بلُحوم الشاعرات وأثواب الشعراء .
س:ولمَ جعلت فارقاً ما بين اللُحوم وبين الأثواب ؟
ج/لأن الشاعرات عادةً ما يكتبنّ بحبر هو خليط من الدم والعرق وصوت النار المتلبس بالشهوات،بينما الذكور من الشعراء ،فهم لا يتوانون عن حرق ثيابهم وصنع الحبر من مخلفات الرماد.
س:ولمَ تظن بأن الشّهوات قاموسٌ حَصَري بالشاعرات وحدهنّ ؟!!
ج/ربما لأن نيرانهنّ بالغةُ الشراسة ولا تنطفئ كما هو حال النار بأفئدة الشعراء.
س:وماذا عن نارك أنتَ يا أندريه؟
ج/كنتُ غابة تقدمُ الأحطاب للشيوعية،إلا أنني سرعان ما تخليت عن مهمة إدامة تلك الإنارة بعد غزو الاتحاد السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا .
س: قيل إنك وقعت تحت تأثير المخدر الغربي عندما زرت الولايات المتحدة والتقيت ((بأهم الكتاب من أمثال: ألن غينسبيرغ، وأرثر ميلر، والنجمة السينمائية مارلين مونرو.)) ما ردّك ؟
ج/ لم أبع تاريخي بعقد صفقات مشبوهة أو من أجل صداقات مع أدباء وفنانين كثيرين من مختلف أنحاء العالم. ولا بالحصول على جوائز أدبية رفيعة مثل جائزة الدولة، وجائزة الأكاديمية الفنون والآداب، وأكاديمية غونكور الباريسية. ولا بتقليد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف جائزة الدولة في الكرملين.
س: ولكن قبل ذلك حاول الرئيس نيكيتا خروشوف تحجيم دورك بطردك خارج الإمبراطورية السوفيتية.ما السبب وراء ذلك ؟
ج/ لجرأة قصائدي وانفتاحها على قاموس حديث المفردات ومعاصر الأفكار ، لأنني أصبحت بمثابة البديل الشعري الغنائي البيتلزي، بعد أن حضر موسيقى الروك أند رول في روسيا.
بعبارة أدق ،لم تستطع بقايا الستالينية من تذوق الأشعار الخارجة عما كان سائداً بفضل النظام الأيديولوجي بقبضته الحديدية.لكن الرئيس خروشوف لم يستطع طردي من روسيا ولا منعي من مغادرتها بعد أن نقلنا صوت الشعر إلى ملاعب كرة القدم.
س:هل تعتقد بأن الشعر ثروةٌ أم ثورة ؟
ج/السيد الشعرُ مالك صولجان اللغات. لذلك فهو يتضمن الاثنين معاً. بنك الكلمات التي عادة ما تشعلُ فتيل الثورات في الوجود.
س:بمساعدة الشياطين تقصد يا أندريه ؟
ج/ذلك فضل عظيم،أن تنتمي الشياطينُ للشعر،وتعمل من أجله.
س:لمَ ترى ذلك فعلاً جميلاً ؟
ج/لأن الشيطنة هي الهندسة المعمارية التي تحتفظ بمقومات خيالها.فمثلما يُبنى الشعرُ بموجب مخيلتها ،مثلما يُهدم من أجل التغيير وإحياء البكتريا بخلاياه اللغويّة.
س:هل من قانون الجاذبيةِ اللغويّة شبيه بقانون الجاذِبيّةِ الأرضيّة ؟
ج/ يوجد في الشعر فيزياء الموسيقى وبيولوجية الحواس وسيكولوجية الشيطنة وانطولوجيا الكتابات التي طُبعتْ بالدم وبحبر الحجر وبمياه الأعين وبطباشير القلق.وهذه كلّها، تتجاذبُ فيما بينها بطاقة مغناطيسية عالية،لتنجو القصائد من الخمول ثم الانحدار ثم السقوط .
س:ألا تعتقد بأن في كلامك تشويشاً على عمليات نقد الشعر المعمول بها راهناً؟
ج/ التشويشُ الأفظعُ،أن يتخلى المرءُ عن تمارين التمرّد على صفاقة المدارس الشعرية التي ما تزال تتعامل مع الشاعر كمستودع أخلاقي.
س: أهو قرار لتفعيل الفوضى الخلّاقة بعروق الكلمات جماهيرياً ؟
ج/ ربما . ولكنني لا أجد مانعاً يحول دون حصر القصائد بالنخب التي تقرأ الشعرَ وظلال الشاعر بأعين ثاقبة. فتشتتُ الأبصار جزء عظيم من عمل الصورة الشعرية .
س:كأنك تعاملت مع الحداثة كامرأة يا أندريه ؟
ج/بالضبط. أنا فعلت ذلك مع الشعر، عندما جئت بأدوات الماكياج وإبر الكولاجين وأمشاط الحلاقة لتجميل القصيدة وجعها متبرجة على رؤوس الأشهاد خير من تركها تتعفن في المستودعات الحزبية.
س:تقصدُ إنك جعلتَ القصيدة صالون حلاقة وتجميل مع أغاني البيتلز ؟
ج/تماماً.ذلك ما كانت الشعوب الروسية ترغب فيه.كانت الناس تريد تفريغ الأنفس من لعلعة الكلاشينكوف وإعادة تدوير الأفكار في الرؤوس واستبدال المنجل والشاكوج بزهور عباد الشمس بعيداً عن حدائق الأيديولوجيات المتصحرة .
س:هل أنت مرتاح في السموات يا سيد أندريه ؟
ج/ ما من شاعر ويبحثُ عن راحة في الأبراج السماوية. هنا مولِّدات جديدة للعزلة الثانية ما بين مدّ وجزر.
فظلُ كلّ شاعر سرعان ما ينفصلُ عن خياله ،فيصبح الأخير مخلوقاً بحدّ ذاته،ينطقُ باسمهِ الشخصي،ويكتبُ قصائدهُ بنفسهِ،حتى لحظة نزول الأرواح من الأجساد.
س:وما الذي يحدث بعد ذلك؟
ج/الذي يحدث بعد ذلك ،هو الفعل الأقسى وغير المتوقع،ألا وهو إعادة رميم اللُحوم والعِظام للشعراء الموتى والدخول في الزمن الفارغ.
س:وما هو الزمن الفارغ ؟
ج/ هو الزمن الذي تُسحبُ فيه طاقات كتابة الشعر من الشعراء بعد الموت ،وإناطة فعل كتابة القصائد بالمخلوقات المشتقة من ظلالهم لحظة الانبعاث الأخير.
س: تقصد أن يُعفى الشعراءُ الأصليين من مهمات كتابة النصوص، وحصرها بظلالهم ممن سينفرّدون بكتابة الشعر لوحدهم ؟
ج/ أجل. فالخيالُ في الزمن الثاني هو شاعرُ الأكوانِ والتكوين والمُكوّنات .