المبدع في رأس المجرم

كمال الرياحي

الاثنين 15 نوفمبر 202103:10 م

كثيراً ما التفت الكتاب والمخرجون إلى سير اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق والخارجين عن القانون ليجعلوا منهم مادة لأعمالهم الفنية، إن كانت أفلاماً أو أعمالاً درامية أو روايات. يفعل ذلك المبدعون مستندين إلى التحوّل الذي حدث للخارجين عن القانون، من شخصيات مطاردة منبوذة ومرفوضة إلى أبطال شعبيين وأيقونات شعبية، تكتسب تدريجياً موقعاً مضيئاً في ذاكرتها عبر ما ستكتسب من ترميز وتشفير، يسقط عنها صفاتها الأولى التي وضعتها المؤسسة الرسمية.

وقد تتخذ هذه الشخصيات شكلاً، كالجماعات المارقة في التاريخ والراهن، من الحشاشين إلى المافيا والعصابات الدولية ومروّجي المخدرات والجماعات السرية المقاتلة والمرتزقة والقناصة المستأجرين.

ففي الأدب والسينما العربيتين مثلاً، يمكن أن نستحضر رواية “اللص والكلاب”  لنجيب محفوظ، عن السفاح محمود أمين سليمان الذي ارتكب أكثر من 58 جريمة، وحوله نجيب محفوظ رمزاً للعصيان  والبحث عن العدالة ومواجهة الاستبداد .

 

 بينما حاولت في روايتي “المشرط” التي استلهمت أحداثها من سيرة السفاح  الغامض الذي كان يطارد النساء بمشرط طبي يعتدي به على مؤخراتهن في شوارع تونس سنة 2002، وقد وقع استلهام نفس الشخصية في فيلم “شلاط تونس” بعد سنوات من صدور الرواية، أما السينما المصرية فقد اشتغلت على تيمة المطاريد والخارجين عن القانون، وأنجزت أعمالاً كثيرة عما يعرف بـ”خط الصعيد” وعن “الحرافيش” وبطلها عاشور الناجي وحفيده سماحة الناجي و”فتوات بولاق”، بطولة فريد شوقي ونور الشريف، بل قدم هذه الشخصيات المارقة حتى نجوم الكوميديا، كعادل إمام في “احترس من الخط”، ونجم الرومانسية محمود عبد العزيز .

 

 

وكانت الدراما  التلفزيونية قد التفتت إلى هؤلاء الخارجين عن القانون منذ الجاهلية مع مسلسل “صعاليك لكن شعراء”، وخاصة سيرة القاتل المتسلسل الشنفرى الذي قام ببطولته الفنان محمود مسعود، وريا وسكينة التي سبق وقدمت في السينما ومن بعدها المسرح، إلى الفتوة “علي شورّب” في تونس والذي قدم في مسلسل درامي في موسمين من بطولة الممثل لطفي العبدلي .

 

 

وقد لفت انتباهنا حضور هذه الظاهرة في  الأدب الكندي من خلال أعمال كثيرة استُلهمت من سير القتلة  واللصوص والتي كانت سبباً في شهرة البعض من الكتاب كشخصية اللص كين لايشمون ويعرف بـ”اللص الطائر” والمجرم “الولد بيلي” الذي يتزامن في نوفمبر ذكرى ميلاده. وهي الشخصية التي اقتبست سيرتها إلى عالم سينما عشرات المرات وكذلك إلى الروايات والقصص والقصص المصورة وحتى إلى الصور المتحركة.

كثيراً ما التفت الكتاب والمخرجون إلى سير اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق والخارجين عن القانون ليجعلوا منهم مادة لأفلام أو أعمال درامية أو روايات، مستندين إلى التحوّل الذي حدث للخارجين عن القانون، من شخصيات مطاردة منبوذة ومرفوضة إلى أبطال شعبيين وأيقونات شعبية

الولد بيلي القاتل المتسلسل

 ولد الولد بيلي Billy the Kid في 23 نوفمبر 1859، وقتل في 14 يوليو 1881، ومع أنه لم يعش إلا واحداً وعشرين سنة فقد حفل تاريخه بالقتل، حيث تكاد تجمع المراجع أنه استطاع رغم قصر عمره وقصر قامته أن يحصد واحداً وعشرين قتيلاً بمسدسه. هذا المسدس الذي عرض للبيع سنة  2020بـ 6.03 مليون دولار.

لم يكن الولد بيلي معروفاً ومشهوراً كل هذه الشهرة العالمية قبل مقتله وقبل أن يكتب عنه مدير الشرطة، الشريف بات غاريت، الذي قتله بعد ملاحقة طويلة، كتابه الحياة الأصيلة للولد بيلي الذي روى فيه مسيرته الإجرامية. ولم يحول الكتاب المجرم إلى مجرم مشهور فقط، بل حوله إلى رمز للغرب الأمريكي وأسطورة نيومكسيكو.

أسقط هنري ماكارثي أول ضحية وعمره لم يتجاوز الثانية عشر، ودخل السجن. كانت ضحيته الأولى زميله في العمل “فرانك العاصفة” الذي كان يتعمد إهانته مرات، ودخل السجن للمرة الثانية بعد أن هرب منه إثر تورطه في  قضية سرقة، وتمكن هنري من الهرب مرة أخرى، وظل هارباً حتى قتل لكنه طوال فترة هروبه قتل عشرين شخصاً، منهم أعوان شرطة وحراس سجن. تذكر المصادر أنه شارك في ما سمي بـ”حرب القطيع” في مقاطعة لينكون بين التجار وأصحاب مزارع القطعان. وكان يعرف بقساوة القلب والبسالة.

 

 

كان الولد بيلي ملهم الكثير من الكتاب، منهم الروائيين، كالأمريكيين سكوت موماداي، لورين ايستلمان، اليزابيث فاكلر، ثيودور تايلر ومايكل واليس، وألهمت شخصيته الرسامين، كالأمريكي ايريك بوويل والبلجيكي البلجيكي موريس، كما لفتت سيرته المثيرة انتباه القصاصين، حتى اقتنصها الأرجنتيني الشهير جورج لويس بورخس في كتابه القصصي “القاتل الذي لا يكترث، بيل هاريغان”. أما في الشعر فقد اهتم بها الأمريكي جاك سبايسر، والكندي باري فيليب نيكول، ومواطنه مايكل أونداتجي.

الولد بيلي ومايكل أنونداتجي

صحيح أن مايكل أونداتجي عرفه العالم بروايته “المريض الإنجليزي” التي تحصلت على جائزة البوكر البريطانية سنة 1992، إلا أن هذا الكاتب السريلانكي الأصل قد ثبت قدميه جيداً في الأدب الكندي قبل ذلك بكثير، فقد كتب الرجل أعمالاً أدبية كثيرة، خاصة في مجال الشعر وكتابة السيرة والرواية.

ولكن العمل الذي فاجأ الكنديين وكان وراء شهرته، هو كتابه الشعري “مجموعة أعمال الولد بيلي”. وهي مجموعة شعرية غريبة تدور نصوصها حول القاتل الأكثر شهرة في تاريخ أمريكا، هنري ماكارثي، المعروف بلقب الولد بيلي.

عمل مايكل أونداتجي على استعادة سيرة بيلي الولد من خلال مراوحة بين النصوص الشعرية والنثرية والصور الفوتوغرافية والأعمال التشكيلية. فاستعاده مرات في وضعية الجالس في غرفة مظلمة، يلاحق بعينيه الضوء عبر فتحات خاصة. تلك الأشكال التي وضعها أونداتجي وملأها بالفراغ.

ذلك الفراغ الذي يقول إن السيرة الحقيقية لبيلي الولد لم تكتب، لأن المعرفة بما رُوّج عنه لا تفي بعمق شخصيته.  توغل أونداتجي عبر تلك الكوى إلى العوالم الأكثر عمقاً في شخصية المجرم، وقارب علاقته بأصحابه. الأصحاب الذين شاركوه حتى في شاهدة القبر بعد ذلك.

إن قراءة عمل أونداتجي تعلن عن ذلك الكرم اللامحدود للأدب عندما يتبنى عقيدة هيغل، بأن في الفن يمكن للبشع أن يكون موضوع جمال، ويمكن للشر أن يكون موضوعاً للجمال الخيّر.

كتاب أونداتجي عمل تجريبي غاية في التعقيد، شبيه بحياة بيلي الولد. كل قصيدة هي طلقة مميتة، وكل نافذة في الكتاب مدخل خطر. فالفراغ شعر والبياض نص عند هذا الكاتب المغامر فنياً، مما دفع بالناقد أنييك هيلجر إلى تخصيص كتاب كامل تحت عنوان “لا تحتاج كل الكلمات: مايكل أونداتجي الأدب والصمت”.

عمل مايكل أونداتجي على استعادة سيرة بيلي الولد من خلال مراوحة بين النصوص الشعرية والنثرية والصور الفوتوغرافية والأعمال التشكيلية

يقول أونداتجي في إحدى قصائده:

“انتظار

لا شيء يكسر رؤيتي

لكنه يطير في طريقهم الأسود

مثل النجوم المقلوبة”.

يستعين أونداتجي بثقافته السينمائية العميقة ليستحضر مشاهد من الأفلام العالمية، وهو ينسج سيرة بيلي الولد شعرياً، ليرتقي بها من سيرة المجرم إلى سيرة الرائي والبطل التراجيدي.

ويحاول أونداتجي، عبر لعبة الذاكرة والتذكر، أن يستنطق بيلي الذي يجلس طوال الوقت في الظلام، يشرب الماريجوانا ويدير أصابعه على زناد مسدسه الذي  أجهز على أكثر من عشرين شخصاً.

يركز أونداتجي على يده اليسرى التي ارتبطت بأسطورة بيلي القاتل الأعسر، مع أن  التحقيقات الآن تؤكد أنها فرضية خاطئة، لأن الصورة الفوتوغرافية النادرة التي أخذت له، وتظهره يمسك بيده اليسرى المسدس، ليست سوى صورة مقلوبة كما في المرآة، لكن فات الأوان وأنجزت العديد من الأعمال الفنية، وخاصة السينمائية، تشتغل فكرتها على قصة القاتل الأعسر.

يقترح أونداتجي ملحمة لغوية جديدة، بطلها رجل جسور وقاس، احترف القتل ووصف بأن له “القدرة على قتل شخص ما في الشارع والعودة إلى الوراء وإنهاء مزحة”. ويجعل هذا الرجل  يروي شعرياً موته بعد أن أطلق عليه الرصاص .

يقول:

“انقر فوق. انقر فوق مثل تنظيف مسدس صباح السبت

عندما يقفز الرصاص عبر ملاءة السرير ويقفز وينقر

انقر وقم برميها على الأرض مثل… عالياً في الهواء

ونرى كم يمكنك الالتقاط باليسرى

يترنح البرتقال عبر الغرفة .أعرف ذلك

إنه عقلي يخرج مثل العشب الأحمر

هذا الكسر حيث تندلع الأشياء الحمراء.

هل الشاعر أو الروائي شخص آخر غير المجرم الذي يخلق ويقتل، يطلق الرصاص على الرؤوس ويخنق ويشنق ويفجر ويطعن ويُغرق ويرمي شخوصه في الصحاري والحروب؟ هل يحتاج المبدع أن يدخل في رأس المجرم ليكتب سيرة الخروج وهو أول الخارجين عن القانون مجازياً؟

لقد قادنا أونداتجي في رحلة في رأس القاتل لنكتشف شيئاً فظيعاً آخر غير خطاياه، بل ذلك الوجع  الداخلي الذي يجعل كل ذلك الشر يفيض على العالم. وكأن أونداتجي يرتفع بالمجرم إلى مستوى الشاعر الذي يوقّع مجازاته واستعاراته عبر المسدس المجنون، ذلك المسدس الذي سيكون أغلى مسدس بالعالم منذ سنة فقط في مزاد علني.

غير أن السؤال الذي يبقى معلقاً هنا بعد الانتهاء من كتاب أونداتجي، هل الشاعر أو الروائي شخص آخر غير المجرم الذي يخلق ويقتل، يطلق الرصاص على الرؤوس ويخنق ويشنق ويفجر ويطعن ويُغرق ويرمي شخوصه في الصحاري والحروب والكهوف والبحار؟ هل يحتاج المبدع أن يدخل في رأس المجرم ليكتب سيرة الخروج وهو أول الخارجين عن القانون مجازياً؟ ربما يحتاج إلى ذلك لإنصاف المجرمين الرائعين، أولئك الذي وقفوا في مواجهة الموت يديرون مسدساتهم بأصابعهم، قبل استقبال الورود على الجباه، كراعي بقر في فيلم “الرجل الذي بلا اسم”.

الكتابة والإجرام

كل  هذه الأسئلة يجيب عنها الإسباني خوان غويتيسولو، الذي ربط الكتاب  بالعمل الإجرامي، فهي انحراف بالمعنى وخروج عن القانون، خاصة في الأنظمة الشمولية، لذلك كانت السلطة تدعوه بـ”الوغد” وهكذا يتقاسم غويتسولو هذا اللقب مع المجرمين وقطاع الطرق والخارجين عن القانون. واعتبرت، كما يقول في كتابه “عصافير تلوث عشها”: “ممارسة الكلام أمراً خطيراً والأدب جريمة”، وعقابها المطاردة والاعتقال والتصفية إن استلزم الأمر.

فهؤلاء أوغاد القلم و”يُقارَنون باللصوص، وبالخارجين عن القانون، برجال العصابات، بالمغاوير، بالشريرين، ويعتبرون كالغجر والمشردين، والأشخاص السيئين، وكل المنغصات في هذه المقولة الجنائية الشاسعة وغير المحددة المسماة خطراً اجتماعياً”. وهم بذلك الفعل الشنيع وغير المسؤول محتاجون لـ”مراكز إعادة التربية عن طريق العمل، كما حدث مع لكوزنبرغ، أو إلى مستشفى للأمراض النفسية، كما جرى لبليوتش”.

غير أن خوان غويتسولو لا يتذمر من ذلك الوضع، بل يسخر منه ويعتبر أن هذه الأنظمة منحته وأشباهه من أوغاد القلم امتيازاً كبيراً، جعلتهم جنباً إلى جنب مع كبار الأوغاد والمارقين الذين عرفهم الأدب مثل ألبيرتي وأربال وساستر. فـ”كل أشكال الفن جريمة: جريمة ضد المجتمع والحياة نفسها، والفن كما يؤكد خوان غويتسولو لا يرضى بالحياة كما هي، إنه شكل من أشكال الانشقاق التي يُنظَر إليها عبر التاريخ كفعل إجرامي”.

وهذا تماماً ما يؤمن به صاحب كتاب “يوميات لص” الفرنسي جان جينيه، الذي يرتفع بالإجرام إلى مستوى شعري، لينتهي  بكوجيتو خاص يحمل حتمية بقاء قاطع الطريق في الطريق: “ولدت في الطريق، وعشت في الطريق، وسأموت في الطريق”.

https://raseef22.net/article/