الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه

في بريد السماء الافتراضي

في مدخل حديقة منزله الصغير،رأينا تمثالاً كبير لغراب بألوان ثلاثة: الأبيض والأسود والرمادي.لم نكترث للأمر،فقائد حيوان ((الروتيرا- شبيه الكنغور -)) الذي حملنا في جرابه إلى هذا المكان ،حاول فتح الأبواب بسرعة ،ليقف بنا أمام مرآة ضخمة في صالون ضيق،حيث طلب منا الجلوس على أريكة من الجلد الخمري،بانتظار إطلالة الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه الذي كان في غرفة نومه.
لم تمضِ دقائق ،حتى أطل الشاعرُ ريلكه وهو يحمل كتاباً شبيه بكتب الأطلس الكبيرة.صافحنا بحرارة ،ثم جلس على كرسيّ خاص به.سألنا أن كانت رحلتنا سلسلة دون متاعب في جيب ((الروتيرا)) ،فكان ردّنا بالإيجاب.آنذاك تقدمت منا خادمته الشقراء بتنورتها الفضية القصيرة،وقدمت لنا مشروباً زهرياً بكؤوس زجاجية طويلة مع نوع من الفستق وشرائح من البطاطس المقلية بالزيت .
كانت عينا الشاعر ريلكه في تلك اللحظات ،تشعان بنظرات حائرة قلقة.ولكي نتفادي تطاير الشرر من تلك العينين،فتحنا باب الحوار معه بالسؤال الأول التالي.قلنا له:
س:إذا ما نظر ريلكه إلى وجههِ في المرآة صباحاً ،ماذا يرى ؟
ج/أرى تلَ رملٍ على صفحة صحراء ،ولا اشغل نفسي بذلك المرض المُقتطف من عمق الوجود .
س:متى أدركتَ عمق الوجود قفراً ..هل كان ذلك قبل الشعر أم بعده؟
ج/ ليس قبل ليس بعد.أنا أدركته متصحراً في أثناء تشكلي شعراً .ففي مجرى الكتابة ،تخرج عليك بعض الأسئلة الفلسفية وهي تكشر عن أنيابها.
س:كي تخيف الشاعر وتبث الرعب في نفسه ؟
ج/لا.بل لكي تورطه بالمزيد من الأفكار التي لا تجعل من القصيدة أرضاً بوراً.الفلاسفة زراعٌ جيدون لبذور الرماد بشكل عظيم.
س:ما الفرق ما بين أن تكتب في الصحراء وما بين أن تكتب في حديقة برأي ريلكه ؟
ج/هو الفرق نفسهُ ما بين أن تنجب طفلاً من رحم امرأة، وبين أن تصنع آخر في أنبوب من الزجاج.
س:ألا يستطيع الشاعرُ استصلاح اللغة القاحلة،فيأخذ دور الفلاح باستصلاح الأراضي على سبيل المثال ؟
ج/كل شيء ممكن،عندما يبدأ الشاعر بكسر أقفال اللغة،واقتحام الخزائن الواقعة ما وراء المعاني المستهلكة المعروفة.
س:كأنك تريد القول ،إن على الشاعر أن يندمج باللغة بعيداً عن مكونات العالم الخارجي.أليس هذا هو القصد؟
ج/لا أبداً.فالاندماج ما بين الطرفين هو لحظة الخلق كما أدرك.
س:وأين الخيال من تلك المعادلة؟
ج/أنا أعرف إن العقل صاحب ردود أفعال قاسية ومضادّة للخيال،ولكنه يخضع لأعمال المخيّلة،فيصبح جزءاً منها داخل العمل الشعري.
س:هل أنت محكوم بالفلسفة لكونك ألمانياً فقط ؟
ج/ماذا تقصد بالسؤال؟
س:أعني أن الألمان شعوبٌ مستغرق بمنتجات الفلاسفة.والفلسفة عندهم،أشبه ما تكون بالكتب المقدسة التي لا يتم إخضاع العقول لصفحاتها دون جدل وحذف وتمحيص واستبدال !
ج/هذا أمر جيد كما أظن.فالثقافة الأوروبية الباردة،لا تحتاج إلى مشرحة في مستشفى،بقدر حاجتها إلى أفران تعيد تكوينها وجودياً.والفلسفة تشعلُ تلك النار لتوقظ العقول في الجدل وفي خلق ما لم يتم خلقه أخلاقياً وأدبياً .
س:هل يعتبر ريلكه نفسه شاعراً فلسفياً ؟
ج/في أمكنة معينة،يمكن الإجابة بنعم.أما بشكل عام،فأنا شاعر شيدّ نفسهُ من الضباب الرومانسي الوجداني المعتق .
س:هل حاولت الدمج ما بين نصفك الفلسفي وما بين النصف العاطفي الآخر؟
ج/ أحياناً نعم.وفي كثير من الأحايين لا.
س:لماذا ؟
ج/بسبب تلك الرياح النفسية الغامضة التي تهبُ على كياني ،حاملة القلقَ،فتصيبني بالاضطرابات حدّ الشعور بمرض التوّحد.
س:هل كان ذلك غليان عقل شذُّ عن الأنماط العادية المسالمة في زمانك ومكانك،أم هو إفلاس عاطفي أو حِيرَة في حب ما ؟
ج/ ربما هما معاً. العقل الذي استودع الماضي ليبني حاضره دون رفع الأنقاض من تاريخه الشخصي ،وإما الأمر الآخر ،فكان يتعلق بالحب الذي وجدتُ فيه نفسي أشبه بزورق إنقاذ صغير على ظهر باخرة عملاقة.
س: هل كانت السيدة لو أندرياس سالومي حباً قلبياً لريكه وهي التي تكبره بأربعة عشر عاماً ؟
ج/ كنت مندهشاً لذلك الحب في بداية علاقتنا الجنسية،إلا أن البرد سرعان ما تسلل إلينا،لأستمر بالكذب على نفسي ،فأكتب في عشيقتي الشعر الجميل ،رأفة بها ومنعاً لاضطهادها روحاً وجسداً.
س:تعني إن تلك المرأة ،لم تكن غير صفحة من سونيتات ريلكه البائسة؟
ج/لم أقل ذلك.ولكنني حاولتُ علاجها بالشعر العاطفي الجميل. فكتبت لها بلا حدودز
س: هل كنت تكذب؟
ج/لا وجود لشعراء معصومين عن الكذب أو الخيانات الشعرية التي عادة ما تتدرب عليها طيور الأفئدة، فتفرّ من القفص الصدري نحو الملاعب المفتوحة الأخرى.
س:أنت في مجال الحب صاحب قاموس من التأويلات التي تحاول الهرب من الوقائع.هل كان تاريخك العاطفي مريضاً إلى ذلك الحدّ سيد ريلكه؟
ج/في البدء ،كنتُ أنظرُ لكل امرأة على أنها حقل خاص بنفسها.ثمارٌ تنمو وتتساقط.وملاعب للغرام والأراجيح .ومناطيد تهرب في لحظة الشغف إلى ما فوق دون أدنى اعتبار للأرض ومنازل الأرض وبشر الأرض،لأن الحب هو الأقوى.لكن النهايات ،عادة ما تكون مؤلمة من وراء عدم معرفة ما يتم تداوله في رأس هذه المرأة أو تلك!!
س:هل من أجل تلك الأسباب اخترتَ أنتَ العزلة ؟
ج/كنتُ أدرك أن حياتي ليست سوى أغنية في غرفة مغلقة.وإن حريقاً سيلتهمُ كل الآلات الموسيقية والأوراق التي احتفظت بها في رأسي سابقاً.
س:لماذا تعتقد بذلك . هل لأنك شاعر يغرق بأسراره مثلاً ؟
ج/أجل.فأنا مجندٌ لفعل أية اختراقات لوجودنا الضيق على الأرض إلى ما هو أبعد .
س:هل تريد الذهاب للمريخ مثلاً ؟
ج/ربما.فقد تكون الحياةُ والكتابةُ هناك أفضل مما عشناه وكتبناه يوم كنا على الأرض.
س:لمَ تعتقد بذلك.هل سيقدم إليك سكان تلك الكواكب المواد اللازمة لكتابة قصائد بوهيمية مغايرة للأنماط القديمة على سبيل المثال ؟
ج/ لم أشعر بالرضا يوم كنت على الأرض.فقد كان عقلي في مكان وعواطفي في بئر سحيق.لذا ،كنت مشغولاً بمن كانوا يتساقطون من نفسي في أعماق تلك البئر.
س:هل كانت نفسك َ بئراً أم مرآةً أم مقبرةً ؟
ج/لم أجد تلك النفس بعد.
س:هل ضيّعتها في مكان ما أم في زمان ما على حدّ معرفتك؟
ج/أنا فقدتها بعد أن تهتَ بين طبقاتها. وربما حدثَ ذلك في لحظة حبّ ميت.
س:حبٍّ ميتٍ على يد من برأيك؟
ج/لم أكن مطمأناً لذلك الشغف الذي سرعان ما تحوّل من ملاك رومانسي إلى وحش صامت يجلسُ حيّاً في مشرحة،وأمامه آلة كاتبة تستهلكُ دموعه بدلاً من الحبر.
س:هل كنت متضرراً من الحب إلى تلك الدرجة يا ريلكه ؟
ج/لم أكن بمستوى عواصفه،لأنه كان قوياً .
س:أقوى من الشعر كما تعتقد؟
ج/هو الشعرُ ،ولكن بثياب الحِداد،حيث تصبح الحياة جنازة عليك حملها والسفر بها عبر الزمن دون توقف.
س:ألم يكن ذلك الأمر متعلقاً بالطفولة التي عشتها ؟
ج/ربما كان لشحوب تلك الطفولة ظلالها المريضة التي انسحبت على مراهقتي التي كانت تعاني من بعض المخاوف الناجمة عن عدم قدرتي على الربط الصحي بينما كنت وبينما أكون.
س:هل كانت صفحات طفولتك ملوثة بشئ مخيف على سبيل المثال؟
ج/لا أريد العودة إلى زجاجات الحليب الأسود، ولا إلى الدفاتر المدرسية التي كانت مليئة بالوحوش ولا إلى البراعم الأولى للزمن العسكري ذاك.
س: هل كنت تخاف من الدروس أم من المعلمين؟
ج/ بل من الإحساس المبكر بالخواء والعدم.كنتُ شارد الذهن،وكأن أذرع طاحونة تدور برأسي منذ الصغر.
س:أنت شاعرٌ معادٍ للزمن.فما سببُ الخصام الذي ما بينك وبينه يا ريلكه ؟
ج/ ما بيننا كان وجعاً.أجل كان ذلك الزمن يعاني من وجعٍ في بعض فقرات عموده الفقري الذي كنتُ أنا أتشكلُ حوله لحماً ودماً وشعراً،لأصبح ريلكه صاحب القامة الشبيهة بعمود كهرباء محطم المصباح في زقاق مهجور .
س:هل كان جسم زمنك بديناً، فكنت ترغب بأن تكون منتفخ الجسم من أجل لحظة من التوازن مثلاً؟
ج/كنتُ قلقاً ولا أتمتع إلا بالانقلاب من حالة على أخرى،وذلك ما جعل مني شاعراً خائناً للتقاليد الأدبية.
س:ما المقصود من وراء ذلك؟
ج/ أقصد إن ريلكه الذي معك الآن،كان غير منتم إلى حركة شعرية أو مدرسة بعينها.
س:أنت تشير إلى تحولاتك ما بين الرومانسية إلى بقية المدارس الشعرية الأخرى ؟
ج/ بالضبط.كنت مشاءً على جميع الخطوط والحبال .مرة رومانسي لتتمتع الكلمات بي. ومرة واقعي لأنتهي كمركب جانح في الطمي. ومرة ثالثة ذئبٌ رمزي يجتاح الغابات اللغوية بعوائه .كل ما مضى من تلك العهود القديمة ،لم تكن خياراتي،بقدر ما هي من أفعال الشيطلائكة،ممن كانوا يزرعون بتراب رأسي بذور الحنين إلى الهباء .
س:هل كنت مؤمناً يا ريلكه؟
ج/أؤمنُ بمنْ ؟!!
س:بالذي خلقك من ذلك التراب ؟
ج/ تقصدُ أنني كنتُ دودةً من صنع الطين أم ماذا ؟
س:أجل.فأنتَ وسواك من البشر ،هم ليسوا سوى دمى خُلقت من تراب كما تقول مختلف الديانات.ألا تؤمن بذلك؟
ج/كلّ الديانات عندي مثل علب الكبريت.وأنا رميتُ بها إلى بحيرة التماسيح.
س:من أجل أن تستريح من القلق المنبعث عن جهنميات دار الآخرة، أم من أجل أن تخلقَ ديناً لتابعيك وأعوانك من المريدين. أقصد أن تخترع لهم ديانةً خاصةً بهم؟
ج/ بعد فوران تنور الأحزاب والحكومات بالمصائد،لم يبق أمامنا إلا شعوب الجحيم المستقل .
س:هل ثمة جحيم منتمٍ للحرائق. وأخر عبثي مجنون .وثالث واقعي اشتراكي يتقاسم مع العقل نباتات أراضي الأفكار برأيك ؟
ج/أنا لم أرَ شيئاً.ربما لأنني وصلت السموات قبل الحصول على نظارتي ذات الأبعاد الثلاثة من بنك الربّ التقني
س:لماذا كان عليك الخروج من الرتابة في التأليف نحو الجرح؟
ج/لأن الحروف تأخذ عطرها من هناك.
س:تقصد الحروف التي تجمعها في زجاجات تُسمى الكلمات يا ريلكه ؟
ج/أجل.فعوالم الكلمات لا تحمل الظن بأن الموت هو نقطة الارتكاز في الوجود ،بل تؤكد حتمية ذلك بكل الطرق.
س:هل الحديث عن العدم يعجبك،حتى نراه يتكرر هنا وهناك؟
ج/لا أعتقد إن أحداً لا يرتدي ثوب العدم .فهو على ما أعتقد القميصُ والتنورة والمايوه .ومثلما هو لباس السهرة السموكنغ،هو الكفن أيضاً.
س:أنت عشت متوحداً مع وحدتك.فهل وجدت فيها ما يمكن إنقاذ روحك من الآلام ؟
ج/لقد سبق لي وأن قلت: (( ألا يجدر بهذه الآلام العتيقة جداً ،أن تعطينا الثمر أخيراً )) .ولكنني متُ ولم أحصل على ثمرة من تلك الشجرة.
س:وما هي ثمار الآلام برأي ريلكه؟
ج/ما كانت تلك الثمار إلا أناشيد لتغطية روح الغريب من البرد والصقيع والجفاف.
س:هل العزلةُ تعززُ موقف الشاعر في اللغة كما ترى؟
ج/ قد تصبح العزلة جنازة للشاعر في أحد غرف اللغة،وبالتالي ،ليس ما يمكن أن يطرد الأشباح عن مرآة الشعر الداخلية في تلك الغرفة المظلمة برائحة الخراب والتفسخ.
س: ولكن الشاعر يمكن أن يُرى كمدينة روحية ،أو هو روحٌ تشبه مدينة .
ج/ ربما.ولكنها مدينة منكوبة بزلزال.
س:ما الذي يدفع بكَ إلى أن تبني شعريتك على التشاؤم وحده؟
ج/لأن جميع الأشياء ،بالنسبة لي كانت من الأغاني الممزقة ، ولا تستوفي شروط الحياة الحرّة السعيدة المطلقة.فلا وجود لمن يقوم بتشذيب الزمن من أغصان الغابات المحطمة التي عادة ما تتجمع أخشابها بداخلك، لتضاف إلى حطبك الباطني الخاص.
س:لماذا لم تشعل في نفسك ذلك الحطب وتنتهي من كل شئ دفعة واحدة.انه مجرد عود ثقاب.أليس كذلك يا ريلكه؟!
ج/لم أكن اشعر برغبة في الانتحار آنذاك ،قبل أن أنتهي من تجميع قطع غياري الضائعة بعد العثور عليها .وكذلك لأنني كنتُ منتظراً مجيء مُخلّص من عالم الأساطير،ليقدم الحلول لمشكلات الإنسان
س: وخابت آمالك محترقة مع صندوق الأحلام.ومثلما كتبت أنت ذات يوم:
((هذا العالَم نشيّدهُ،
فينهارُ،
ثم نشيّدهُ ثانيةً
فننهارُ نحنُ .))
ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
ج/أجل.لقد كتبت عن انهيارنا الأخلاقي ،دون أن أنسى انهياري الشخصي .كنت أرى نفسي بئراً سحيقة تملؤها الظلمات،وذلك ما دفع بي الأسى إلى النظر في المياه المظلمة تلك ،لأتفرس وجهي مثلما كان يفعل ذلك ((نركسوس)) منتوج الأسطورة اليونانية ،وذلك عندما عشق جمال وجهه وراح لا يكف عن النظر إليه على سطح تلك المياه.
س:ولكنك كنت مفرطاً بنرجسية من نوع آخر:التأمل.أليس كذلك ؟
ج/ذلك لا يُسمى إفراطاً ،بل تقدماً بسنّ المعرفة لإدراك الماء والهواء والحجر .
س:وهل يمكن أن تلتقي المعرفة بالبوهيمية في الرأس المحمول على كتفي ريلكه؟
ج/أجعل. هما يلتقيان ،فيما لو وجدا التربة الخصبة لنموهما معاً إلى درجة الاندماج.ثم ان كتفيّ ما كانا يحملاً رأساً،بل جبلاً .
س:أنت عملت مع الفنان أوغسطت رودان سكرتيراً في باريس.ما الذي جعلك شديد الالتصاق بنحات من طراز رودان؟
ج/كنت مولعاً بنحت اللغة مفردة مفردة على غرار ما كان يفعله رودان والنحاتون الآخرون.نحت الكلمات أمر اشدّ تعقيداً من نحت الحجر أو صبّ الفلزات الصلبة –الحديد أو النحاس- في القوالب الخاصة بإنتاج التماثيل.
س:هل حاولت العمل على إعادة تصميم الشعر بطريقة معمارية ؟
ج/تحتوي اللغات على كم هائل من الكلمات التي تتطلب تصميماً جديداً ،يعيد هيكلتها ،لتكون على غير هيئة الجماد.
س: هل تعتقد بأن الكلمات تمرض وتنهار وتهلك هي الأخرى ،كما يحدث لنا ؟
ج/بالضبط.فاللغة الحيّة ،تضحي بالكلمات الميتة غير الحيويّة،حفاظاً على منطق التشيؤ الذي علينا التقدم به خطوات إلى أمام،لتحرير الشعر من التصلب والبرد والخواء .
س:ثمة من يعتقد بأن ريلكه أراد من وراء ذلك النحت اللغوي (( انتزاع الأشياء من طابعا السكوني السلبي وتحويلها إلى وحدات إيقاعية وجوديّة وحسيّة، تعبّر عن الذات المحمولة خارجاً، أي أنه يقوم بعملية تطهّر ذاتيه مطّردة بغية تخليص الذات من الأزمات النفسية والتراكمات الفكرية على نحو فنّي. فيمنحُ ذلك الشيءَ المستقل الحريّةَ التامة، لكي يعبّر عن نفسه بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية، ولكي يمنح كذلك الحريةَ التامة لنفسه، باعتباره شاعراً، لإعادة صياغة هذه القراءة الحسيّة صياغةً موضوعيةً وفنيّةً بدرجة خاصة)) .ما رأيك ؟
ج/ أظن بأن ذلك الاعتقاد كان بعيداً عن معتقدي الشعري الذي فرض علىّ الكتابة خارج السياق التنظيمي لأحكام اللغة والتعامل التقني معها .لم أكن مخلصاً لموضوع البناء،بقدر هاجسي بتدمير الأسس التي حاولت حماية الشعر من السلوك المضطرب والجنون.
س:وذاك ما كنت قد فعلته في كتابك ((سونيتات إلى أورفيوس)) الخاص بتعرية الباطن الغامض للشاعر الذي أنت فيه،وشحنه بالسحر الذي يوقظ الموتى؟
ج/كنت أعني من عقدة التجسيد ،لذلك حاولت تفريغ باطني من آثار الماضي دون فائدة. لم أشعر يوماً بكياني .فمنذ اللحظة التي توفيت فيها شقبقتي الكبرى، تشوش عقل أمي ،فراحت تنظر لي على أنني النسخة الحيّة من تلك الشقيقة الميتة.بل حتى أن أمي كانت تفرض علىّ ارتداء ثياب البنات.علماً أنني لم أكن موجوداً يوم توفيت شقيقتي.ولكنه التجسيد المفروض من قبل سلطة والدتي الأرملة المطلقة .
س:هل اجتمعت بها بمكان ما من أمكنة السموات ؟
ج/لم أفعل ذلك،ولا حاجة لي بإعادة تجربة التقمص الإجباري أو ما يمكن تسميته بعملية مسخ الأمومة لشخصيتي مرة أخرى.قبل أيام رأيت وجه أمي في زحام سوق القماش،ولذتُ بالفرار من السوق.
س:هل وجدت عملاً هنا؟
ج/تقدمت بطلب للعمل في سلك الشياطين.وربما سأصبحُ شيطاناً في يوم قادم.
س:هل هذا ما يجعل منك شاعراً مبتهجاً ؟
ج/ليس هذا هو المطلوب بالضبط،إنما لأن قبولي بهذا السلك سيُقرّبني كثيراً من لوحة مفاتيح أبواب الجنة،فأضمن سرقتها وتوزيعها على من ينتظرون خلف الأسوار،ممن لم تتم منحهم الإقامة المؤقتة هناك.
س: ولكن الجنة للمؤمنين فقط .
ج/وذلك ما أريد أن أفعله لهم.فأغلب المنبوذين ممن يفترشون العراء وراء أسوار الفراديس هم من رجال الدين وشيوخ الفتاوى وقراء القرآن على المنابر ورواديد مواكب عاشوراء الذين نجحوا بابتكار اللطميات الجديدة وسلخ لحوم الظهور بشفرات الحديد.هؤلاء هم المؤمنون بآيات المذاهب ليس إلا.عاشوا الدين بالمقلوب،ففسروا الآيات وكذبوا .وتحايلوا بالتأويلات مستبعدين العقل،يوم انتفخت أوداجهم بالسحر والخرافات ،فكانوا من الأدعياء المفرغين من كل معنى إلهي .
س:هل كان نيتشه مع المؤمنين الضالين هؤلاء ،وينتظر العطف بالمغفرة والرحمة ؟
ج/لا أبداً. فقد قيل لي أنه بات مديراً لمكتب السكرتارية الخاصة بشؤون الاعتراف في الطابق الأول من السموات.
س:وما هو عمله بالضبط؟
ج/قيل أنه يفحصُ سجلات الموتى ،لحظة خروجهم من مدافن الأرض.
س:هل بات الكافرُ نيتشه مخبراً، يقدم للربّ التقارير بعباده على هواه وبلمسة من مزاجه المريض؟
ج/ليس كلّ من ناقش الله وحاوره كان كافراً .ثم أن الله لا يحبُ العميان والمطيعين بالوراثة.وهؤلاء الذين أقفلوا الحياةَ الدنيا بفقرة العقاب الجهنمي فقط،لا يمكنهم استعمال أدواتهم القديمة بتكفير البشر في المناطق العليا من السموات.لقد ملّ الله من موديلات العمائم والقلنسوات وتكاثر الصلبان واللحى والدشاديش القصيرة والحجب والنُقُب وبقية أدوات النصب الديني الذي يمارسه المتدينون الظلاميون ،عندما التي لا يمكن فضحها إلا بعمق.
س:كنت خليطاَ كييركيغاردياً نيتشوياً أورفيوسياً على الأرض،فهل انتهت عندك هنا عقدة زمن التأثيرات الرمادية،فأصبحت مستقلاً إلى حد ما ؟
ج/لم يخف مستوى الإحباط في نفسي بعد.وكل ما يأتي من فكرة التسامي الروحي،يبقى محض خيال.
س:هل يرجع ذلك إلى فقدان المحرك الجنسي أو توقفه بين طبقات السماء على سبيل المثال؟
ج/ منذ وصولي إلى هنا ،وأنا ما زلتُ مغطىً بنشوة سريّة غير معروفة المصادر.
س: نشوة جنسية دون نكاح تعني ؟
ج/ ذلك ما يحدث لي بالضبط.
س:ربما هو تعويض عما فاتك مع -لو أندرياس سالومي- ((ربما ما من شيء أكثر رعباً في تاريخ الإنسان المبكّر من فنّه لتقوية الذاكرة)) كما قال نيتشه ؟
ج/ كانت الذاكرة وما تزال عندي أشبه بالصندوق الأسود الخاص بالطائرات.لذا من الصعب علىّ فتحها من أجل الشطب والإلغاء.تنظيف ذاكرتي من الآلام المنتجة للشعر،لا تعني إلا قتلي .
س: هل مررت بمرحلة الروح الحارسة .؟
ج/ ((الأرواح الحارسة تختبئ وهي خرساء)) كما قال ذلك إمرسون .
ج/ وهي بنظر –درايتون- ((تلك التي بسبب عظمة عقلها تقتربُ كثيراً من الآلهة.أن تولد من نسل سماوي،فهذا ليس سوى امتلاكك لروح عظيمة وشامخة..)) أليس كذلك يا ريلكه.؟
ج/ أجل.لذلك أشعر أنني بأرواح كثيرة .