(المدى) تفتح ملف مهرجان المربد الشعري..

ما يتبقى من المربد.. ما يتبقى من الشعر !؟


حمزة عليوي

أثار مهرجان المربد الاخير الكثير من ردود الافعال التي طالبت بان يتم تفعيل دور المهرجانات في نشر الوعي الثقافي والشعري ، وطالب كثير من المثقفين بأن يعاد النظر في أسلوب تنظيم المهرجان ليصبح علامة من علامات الثقافة الوطنية والعربية. “المدى” سعياً منها لدعم المهرجان والتشجيع على اقامة الفعاليات الثقافية التي تشيع الأمل بعراق مزدهر ومستقر،  تفتح ملف مهرجان المربد وتدعو الكتّاب والمثقفين لطرح آرائهم التي ستنشر بكل حرية .
المدى الثقافي

هل ذهب الشعراء، بالفعل، الى البصرة؟ حزموا حقائبهم الصغيرة وركبوا حافلات خاصة واتجهوا للبصرة؟ اظنهم قد ذهبوا الى هناك، الى البصرة… أغلب الذاهبين يعرف البصرة جيدا؛ فهو قد كان هناك جندياً في حروبها الضروس، حرب الثمانينات مثلا، حرب الكويت، وقد يكون احدهم ممن عاد مشياً اليها هارباً من الموت هناك، وربما يكون قد كتب قصيدة عن “طريق الموت” الذي تركه الجنود الناجين، بالصدفة غالباً خلفهم في الكويت. وآخر الحروب أعجبها: حرب التحرير التي انتهت الى فنتازيا عجيبة.. ولابأس؛ ففي البصرة يتذكر الناس مواجعهم، وفي عشّارها يرى زائروها آخر المياه، آخر القطرات من البلاد قبل ان تضيع في الخليج، وربما سيتذكراحدهم صرخة السياب قبلها بعقود عن الخليج الذي يتلذذ، دائما، وهو يبتلع مياه العراق:
” يا خليجْ
يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى !
فيرجعُ الصّدى
كأنّه النشيجْ :
يا خليج
يا واهب المحار والردى.. ”
اغلب الداخلين الى البصرة، فرادى وجماعات، انما يلتقون عند مدخلها الرئيس: ساحة سعد؛ فهناك المرآب الموزع لأغلب مدن البصرة ذاتها، ومنه تنطلق السيارات الى اغلب مدن العراق. لكن هناك مداخل اخرى للبصرة، محطة القطار ،مثلا، مدخل يهمله الجميع مع الاسف، وهناك مدخل ثالث: ان يأتي الزائر اليها من الجو عبر مطارها. مع الأسف، فإن اغلب مثقفينا لا يملكون مزاجا صافيا ليركبوا القطار، مع انه الدليل الأكثر معرفة بحكايات المدن وناسها؛ فهو القطار الصاعد الى بغداد، قطار الاستاذ الراحل محمود عبد الوهاب، استاذ الاقتصاد السردي في القصة، لكنه ايضا القطار المتوغل في عروق البصرة. يدخلها فجرا، ويتأمل بيوتها الصامتة النائمة وسط المياه الآسنة تماما مثل قبور فقدت من يتذكر اهلها. من نافذته كنت ارى الناس الخائضين فجرا بالأوحال، التلاميذ الصغار الذاهبين الى مدارسهم المهدمة. كان القطار يتوقف في محطاته، وكانت الناس، وماتزال بمرارة موجعة، تخوض في يومياتها المريرة، بينما كانت معرفة القطار تضيع من يوميات القصيدة.
مع ذلك، فإن الجميع، شعراءنا بالطبع، سيمرون من امام ساحة سعد، وهم يتوجهون الى الفندق الفخم حيث مكان سكنهم، وهو ذاته مكان فعاليات المهرجان. وسيهز اغلبهم رؤوسهم ويتذكرون قصائد كتبت هناك، وهم بانتظار باص يعود بهم الى مدنهم البعيدة، كانوا جنودا في طاحونة الحرب، وكانوا يسمعون عبر اذاعة بغداد قصائد شعراء الحرب، شعراء المربد، العرب والعراقيين، ولا فرق، وكانوا يهزون رؤوسهم غضبا غالبا، فما الذي تغير الان؟ البلاد ذاتها ماتزال تخوض في اوحالها ودمائها، لم يتغير الحال: في ساحة سعد تغيرت الوجوه، مات من مات، هرب من هرب، تفجر من تفجر، فيما ظلت الاسئلة ذاتها تطل على الوجوه ذاتها، اسئلة البلاد، وهي ذاتها، ويا للمفارقة، اسئلة الشعر ذاته!!
بودي ان اسأل، الان، ما قيمة مهرجان يُدعى اليه اعضاء اتحادات الادباء في العراق، وشعراء لا يجدون جمهورا يستمع اليهم سوى انفسهم..! بالفعل هل خرج مهرجان المربد ببحث واحد يستحق الذكر، الم يكن الأجدى بوزارة الثقافة ان تدعم اصدارات الكتاب عبر نافذتها الأهم: دار الشؤون الثقافية وترفدها بمبلغ اعطي ثمنا لضحكات وصور شعراء لا احد يدري متى صاروا شعراء.. وفي النهاية يأتي مثقفان عراقيان من مدينة بعيدة يصفها جميع مثقفي المراكز عندنا بالتخلف والعشائرية ليصدرا اهم مجلة عراقية كان لها ان تغطي على اصدارات وزارة بكاملها: بموظفيها ومثقفيها.. مجلة عراقية واحدة، ويا للمفارقة! فإن اسمها حمل عنوانا عراقيا كبيرا: “الثقافة العراقية”، ليصدم وزارة كاملة، ويذكّرها بقصورها في انتاج عمل ثقافي منظم! بالفعل الم يكن مجديا ان يجلس مسؤولو اتحاد الادباء ووزارة الثقافة ويقرروا ان عليهم ان يتوقفوا عن هذا الهراء باسم الوطن والشعر والثقافة..!!
ليس لدي تصور واضح عن المبلغ الذي صرف على الشعراء العراقيين الذين ذهبوا الى البصرة مشاركين في مهرجان شهير عرف بالمربد، لكنني امتلك معرفة يقينية عن مبلغ اخر صرف على مؤتمر ادبي ثقافي في دولة قريبة، هي مصر، عندما نظمت فعاليات مؤتمر القاهرة للرواية. جابر عصفور، الامين العام للمجلس الاعلى للثقافة، آنذاك، قال في ختام الملتقى: ان المؤتمر كلف مبلغ ثلاثمئة الف دولار فقط. بهذا المبلغ انما دعي اهم نقدة الرواية في العالم العربي والعالم.. اكثر من مئتي باحث وناقد “كبير” جرت دعوتهم الى القاهرة، فضلا عن نقاد مصر “العظيمة”، والاهم ان الحصيلة هي ثلاثة مجلدات ضخمة عن المحور الرئيس للمؤتمر، وهو الرواية والتاريخ. هذه المجلدات الثلاثة صارت اهم مرجع لعلاقة الرواية بالتاريخ. وعندما تتصفح تلك المجلات لا تجد باحثا معروفا او ذا قيمة الا وله بحث فيه. والسؤال الأكثر ايلاما: بماذا خرج علينا مهرجان المربد الشعري؟ سنكون امام اكبر المصائب عندما نعرف النتيجة: لا شيء، وان المبلغ المصروف كان ثمن صور فردية او جماعية لشعراء ونقاد لم يحملوا في حقائبهم لأهل البصرة سوى ابتساماتهم وحضورهم الاخّاذ.. فكم هي ثمينة هذه الصور التي تكلف “الدولة” كل هذه المبالغ؟ ومن واجبي، ربما، ان ادعو الجهات ذات العلاقة لتوثيق تلك الصور كأحد اهم الانجازات اللافتة، بل واعتماد هذه الصور في كتاب الارقام القياسية كأغلى صور واعلاها كلفة.. فما اسعدنا بكم ايها الشعراء العظام!! بعد ذلك، هل من داع للحديث عن فساد الطبقة السياسية عندنا.. لا ادري!!!
مؤسف يا صديقي الراحل، شاعرنا القدير مهدي محمد علي، انهم لم يجدوا سواك لتكون شاعر هذا المربد. اتفهم مرارتك في قبرك البارد هناك في حلب المدمرة، اتفهم حزنك النبيل؛ فقد كان بإمكانك، وقد فعلتها باستمرار، ان تصنع الكثير للثقافة العراقية وشعرها من منبرك البسيط  كمحرر ثقافي في مجلة الثقافة الجديدة، وكان لك ان تفتح اهم الملفات الثقافية والشعرية في مجلة عانت دائما من ضائقة مالية مزمنة، ورغبة مستمرة بالتوسع على موادها الثقافية – الادبية، فما عسى ان يفعل بمهرجان شعري تنظر اليه البلاد كلها؟!.. أتفهم غضبك ممن زجّ باسمك في مهرجان لم يخرج بأمر يخص الشعر واهله، وأفهم حماستك، رغم ذلك، لبصرتك، جنة البستان، ولغضبك ان يثمر، ان نرفع اصواتنا لإنقاذ المربد من الشعر، نعم لإنقاذ البصرة من شعراء يأتون اليها كسياح ويخرجون منها بالضحك والصور الزاهية.. نعم لإعادة المربد الى البصرة، البصرة وحدها ليكون مهرجان الثقافة البصرية: ببصرتها وقصها وسردها وشعرها، نعم لجعل المربد مهرجانا خاصا بالبصرة وحالاتها، البصرة وقصصها، البصرة وحياتها، البصرة وحدها وكفى.
يحتاج الامر فقط الى شجاعة تشبه شجاعة صاحبة المقترح السيدة الفاضلة سلوى زكو، يحتاج الى شجاعة مماثلة لان نجعل هذا المقترح حقيقة ماثلة: ان يكون المربد مهرجان الثقافة البصرية، مهرجاناً بحق وحقيقة، مهرجاناً بحثياً شعرياً يخص البصرة يخرج علينا بنتائج حقيقية تعرض على الجمهور بكتاب او كتب. فهل هذا كثير على مدينة تعيل العراق كله، هل كثير على البصرة ان تخصص وزارة النفط، مثلا، قطرات قليلة تسقط من حين لآخر، من هنا او هناك، من هذه البئر النفطية او تلك، وان توضع في صندق الدعم الثقافي الخاص بالبصرة؟..
هل هذا كثير على البصرة؟!

http://www.almadapaper.net/