دعونا نتفلسف.. أنا أُجرِّب..

إذن أنا موجود (13)

 علي حسين

في العام 1900 وصل الى  باريس  مدرس الفلسفة  “هنري لويس برجسون” ليلقي أولى محاضراته في “الكوليج دي فرانس”. كان في الحادية والأربعين من عمره  ، وكانت باريس  آنذاك تبحث عن الرمز الثقافي  ، وكان الاستاذ الاربعيني بجبهته العريضة وعينيه اللامعتين ملائماً جدا لهذاً الدور ، كان قد اصدر عملين : الاول  أطروحته الجامعية “بحث في معطيات المباشرة للوعي”، والثاني كتاب “المادة والذاكرة” ، اخذ يلقي محاضراته كل يوم جمعة ، وقد اجتذبت جمهورا كبيرا ، لامن الطلاب فقط ، بل من السيّاح  ورجال الدولة وسيدات المجتمع .

ساحر الكلام
يصف لنا اندريه جيد محاضرات برجسون بالقول : “كان من سَحرة الكلام ، وكان يبلغ الكمال في ارتجاله ، كما كان يأسر القلوب والأفهام في اعتداله  ، وكنت تجد في محاضراته متسعاً من الأفكار الأكثر جرأة والشروح الأكثر دقة.”  الجميع من الذين كانوا يستمعون الى هذا الأستاذ صاحب النبرة الواضحة ،، اخذوا يدركون ان تغيراً ما سيحصل في الحياة الثقافية والفلسفية في فرنسا.
كانت باريس المتمردة والرومانسية  قد روجت  لمصطح “نهاية القرن” في وصف اجواء نهاية القرن التاسع عشر :”اليأس العقيم لرجل مريض”. وكان برجسون قد  خاض في نهاية القرن  صراعاً مع  الأفكار السائدة في الفلسفة ليجعل من نفسه بطلاً لأسلوب أرقى في فهم العالم المحيط بنا ، والذي يقوم على الحدس والغريزة ، والذي اطلق عليه برجسون تسمية  ”  الوثوب الحيوي ” ، كان العقل التجريبي انذاك هو خادم الغريزة  وليس سيدها  وكان عالم مجتمع القرن التاسع عشر  الصناعي والعلمي، يتطلب القوة الدافعة للوثوب الحيوي الخالد للطبيعة . وأعلن برجسون أن الوثوب الحيوي يتدفق بقوة متخللاً الحياة مثل موجة عالية توقظها إمكانية كثيرة كامنة تنساب عبر الأجيال  وتوزع نفسها بين الأفراد .
اراد برجسون ان يحتفي  بتجربة الفرد التاريخية الذكية  والنشطة ، كتغير مستمر للماضي الذي يشق طريقه في المستقبل  : “ان المستقبل  يتبعنا في كل لحظة ، ، وكان لابد ان يكون شعار حركة برغسون  ” أنا أجرب ، إذن أنا موجود.”

***
معنى الأمل
على مشارف الحرب العالمية الأولى كان برجسون هو المعلم الأشهر لجيل من الطلاب الفرنسيين ، حيث وجدوا في حيويته وسيلة لطرد التشاؤم بخصوص الانحلال والانهيار الثقافي ،  هذا الجيل الذي اطلق عليه “جيل 1912″.  كانت السمة المميزة  له هي صنع النظام والانسجام  في كل شيء ،  وكان بطلهم برجسون  يصف ظهورهم بأنه معجزة تطورية وتحول غير مسبوق  في الطبيعة الانسانية ، اما هم فكانوا مثل بطلهم  ينفثون التفاؤل والعزم والأمل  في كل ما يضعون أيديهم عليه. لكن كل هذه الآمال تحطمت  بقسوة خلال الحرب العالمية الاولى ، وكثير من ابناء هذا الجيل المتفائل تحولوا الى طبقة ثقافية مكسورة  ستهرب الى الدادائية والسريالية.  كان اندريه برتون  قد اعلن :” لم نقل كلمتنا الأخيرة بعد ، سوف يختفي أكثر من شعب قبل ان نختفي ” ، فتحت باريس الباب أمام شكل فرنسي من التشاؤمية الثقافية، وكان آراغون يعلن بكل فخر: “نحن انهزاميو أوروبا ” . أما  برجسون فقد أعد  المسرح لما هو قادم بإعلائه من شأن الغريزة على الذكاء ، ومن شأن التجربة الحيوية على القيم والعادات الاجتماعية .وحين يتساءل الطلبة :”ايستطيع  احد ان يؤمن بالتقدم والمدنية إزاء ما يجري من أحداث؟” يجيب برجسون  بصوت هادئ :” إنكم الآن مكدودون  وقد حرمتم  الأمل ، لاتفزعوا ، لقد كنت انا ايضا مكدوداً ذات يوم ، ثم تكشف لي حين بغتة معنى الأمل. ”

***
استاذ الفلسفة
في شتاء  1941  تسلل  موريس ميرلوبونتي  ، الذي كان احد شديد التقدير والاعجاب بافكار برجسون  ، الى  الضاحبة الشمالية من باريس  ليلقي نظرة أخيرة على هنري برجسون . كان الفيلسوف الذي عاش واحداً وثمانين عاماً ، قد آثر العزلة في سنواته الأخيرة  ، وأقعده المرض عن الحركة  . لاحظ ميرلوبونتي  الطبعة الجديدة من كتاب “منبعا الأخلاق والدين”  الذي اصدره برجسون بعد ربع قرن من الصمت ، وقد أحدث الكتاب ضجة في صفوف الفلسفة الفرنسية ، التي اعتقد مريدوها ان  صاحب المادة والذاكرة  قد خبا نجمه . مات برجسون في  ظل الاحتلال الألماني لفرنسا ، ولم يسر في  جنازته سوى  عدد من أفراد عائلته  ، وكان قد أوصى بعدم إقامة طقوس دينية له  .فقد أعلنت زوجته انه رفض حتى آخر لحظة استقبال أحد رجال الدين .
ولد في 1859 ، في نفس العام الذي ولد فيه زميله الأميركي  جون ديوي،  وقد تأثر كلاهما بوليام جيمس مؤسس الفلسفة البراجماتية ،   والذي لعب دوراً كبيراً في تعريف برجسون لقراء اللغة الانكليزية، وقد كان من عادة الفيلسوف الأميركي ان  يقول لتلامذته :”اقرأوا هنري برجسون ، ستجدون في كل صفحة من صفحاته ، لا بل في كل سطر من سطوره  أفقاً جديداً ، فكأنكم  تشعرون بنسمات الصبح او تسمعون  تغريد الطيور ، وكأن اللغة التي يكلمكم بها هي لغة  الحقيقة  والوجود، لا لغة التعليم التي ينقل غبارها اليكم طائفة من الأساتذة الذين تعودوا ان يغربلوا أفكار غيرهم.” وكتب جيمس مرة الى أحد أصدقائه يصور له اثر كتاب برغسون “التطور المبدع” في نفسه :”لقد تراءى لي كل كتاب في نظري هزيلاً من فرط روعة هذا الكتاب الجيد او الفجر الإلهي المنبثق  .. ان برجسون  انما هو فخر الإنسانية وعنوان مجدها الخالد”.
كان والده طبيباً وأمه ثرية ومثقفة، وابتلي بمرض النحافة طفلاً. أحبّ الأدب والفن والموسيقى كوالدته. افتتن بفلسفة هربرت سبنسر، ورأى في نظريته عن التطور  تفسيراً جديداً للمادة والحركة وبأنهما صورتان لقوة الحياة في تركيباتها المختلفة . جذبته علوم الرياضيات، وكان اساتذته  مندهشين لقدرته الفائقة على حل المسائل الرياضية ، فكان بعضهم يتنبأ له بمستقبل باهر في مجال العلوم الرياضية ، لكن برجسون شعر منذ صباه بميل شديد نحو الفلسفة  ، فلم يتجه في دراسته العليا نحو كليات العلوم  ، بل التحق بمدرسة المعلمين  ليتخصص في الفلسفة ، فتتلمذ على يد أميل بوترو الذي كان في ذلك الحين أستاذ الفلسفة  الأول بلا منازع في فرنسا  ، ولم تشغله دراسته للفلسفة من ممارسة هوايته في قراءة الأدب والرواية  ، إلا أن نقطة التحول الأولى التي حصلت في حياته كانت عندما وقع في يده كتاب هربرت سبنسر “المبادئ الاولى” ، فوجد في الفلسفة القول الحق الذي اطمأنت اليه نفسه ، حتى ان زملاءه في الدراسة كانوا يعدونه  مادياً متطرفاً : ” من الناحية الذاتية تراني غير قادر على منع نفسي من أن أعزو أهمية فائقة الى التغيير الذي طرأ على طريقة تفكيري خلال العامين التاليين لتخرجي في مدرسة المعلمين العليا. فلقد بقيت حتى ذلك الحين معتصماً بالنظريات الآلية التي انسقت في تيارها منذ وقت مبكر تحت تأثير قراءاتي لمؤلفات هربرت سبنسر” .
وربما كان السر في إعجابه  بهربرت  سبنسر هو انه وجد لديه ما لم يجده عند غيره من فلاسفة ذلك العصر ، ألا وهو الاهتمام بالوقائع الجزئية  والحرص على دراسة الواقع بكل تفاصيله والانصراف الى تلمس آثار التجربة ، وقد ظل برجسون طوال حياته شديد الإحساس بالواقع، كثير التعلق بالعيني والتشخيصي ، حريصاً دائماً على التمسك  بالتجربة .
بعد ان حصل على الشهادة العليا عام 1881 تم تعيينه استاذ للفلسفة بدار المعلمين، وفي تلك المرحلة تفرغ لدراسة الفلسفة اليونانية ، واهتم بما كتب عن الزمان والحركة وعلاقتهما ، فنشر عام 1889 كتابه الاول “بحث في المعطيات المباشرة للوعي  ” ، وهو الكتاب الذي عالج فيه مشكلة الحرية الإنسانية  في ضوء حركة الزمان ، وقد استطاع بهذا الكتاب ان يلفت اليه الأنظاراليه ، فتم استدعاؤه للتدريس في معهد هنري الرابع ، بعدها عكف على  دراسة بعض الظواهر الشعورية وعلاقتها بالانسان مثل الادراك الحسي والذاكرة ليصدر عام 1897 مؤلفه الثاني “المادة والذاكرة” ليعيَّن بعدها بثلاثة أعوام أستاذاً للفلسفة في الكوليج دي فرانس ، ولينتخب عام 1901 عضواً بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية ، ثم عضواً بالأكاديمية الفرنسية. وفي عام 1907 اصدر مؤلفه الشهير  “التطور المبدع”   فقدم اول نقد لفلسفة التطور خالف فيها آراء استاذه هربرت سبنسر وبيّن من خلاله صلة الغريزة بالعقل .:”  لاحقاً، ولشدة دهشتي، أدركت أن الزمان العلمي، أي الزمان الحقيقي، لا يتصف بالديمومة، وأنه ما كان لشيء في أوقاتنا العلمية ان يتبدل لو أن مجموع الواقع قد انقضى في ومضة. لقد كانت هذه النقطة إشارة البدء لسلسلة من التأملات التي دعتني، درجة درجة، الى نبذ كل ما كان من قبله حتى الآن وإلى إحداث تبديل في وجهة نظري  لاودع معلمي الاول هربرت سبنسر ” . ثم نشبت الحرب العالمية الاولة  فانطوى برجسون على نفسه ، وراح يفكر في الدلالة السيكلوجية للحروب ، فاصدر عام 1915 مؤلفه  “معنى الحرب.”  وفي هذا الكتاب يتساءل عن مصير الانسان ومعنى التقدم ، ويعرب عن ثقته في انتصار القيم الروحية  والقوى الاخلاقية  ضد قوى الشر والانحلال ، كما كان ينادي بالعدالة والحق والحرية ضد انصار الظلم والعدوان ، وعلى اثر انتهاء الحرب عيِّن برجسون رئيسا للجنة التعاون الفكري التابعة للأمم المتحدة ، وفي سنة 1928 حصل على جائزة نوبل للآداب تقديراً للخدمات الفكرية التي قدمها للانسانية ، وتوقف عن الكتابة  بسبب المرض وضعف البصر، لكنه  اصدر عام 1932 كتابه الضخم  “منبعا الأخلاق والدين”، الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الفلسفية العالمية حتى ان جون ديوي وصفه بـ “دستور الفلسفة في القرن العشرين.”
*****
هناك اتفاق على ان هنري برجسون  يوضع مع  جون ديوي ووليام جيمس بين فلاسفة القرن العشرين الأكثر شهرة  ، والأهمية  الكبرى لهؤلاء تعود الى العدد الكبير من الأتباع والتلاميذ ، فقد كان برجسون  على الرغم من انه لم يستطع  ان يحول الغالبية من المشتغلين في الفلسفة الى فلسفته هو ، ومع ذلك فقد تاثر به  تقريبا كل فيلسوف ومربٍ في فرنسا الى حد ما .
ولعل مؤرخي الفلسفة الذين رأوا أن هنري برجسون هو الأكبر بين الفلاسفة الفرنسيين من أبناء جيله محقون، وبخاصة لأنه في ذلك الزمن – عند بدايات القرن العشرين ،  كان أكثرهم سيراً على عكس التيارو كان يعتبر، بالنسبة إلى الكثيرين، أكبر فيلسوف عرفته فرنسا خلال الفترة الانعطافية بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي موسوعته الفلسفية  يخبرنا عبد الرحمن بدوي ان برجسون مثل سارتر كانت اعماله الفلسفية ولا تزال تقرأ  كقطع أدبية ممتعة .
ولعله في كتابه الشهير التطوّر المبدع ،  الذي اتخذ فيه مذهب التطوّر كأساس نهائي لاتجاهه الفلسفي. ولكنه على عكس ما قدمه هربرت سبنسر  يحاول ” أن يوّل التطوّر تأويلاً روحياً، في الوقت الذي كان أنصار نظريات التطور انفسهم يقدمون تفسيرات ميكانيكية آلية ومادية. ذلك ان برجسون زعم ان أصل التطوّر إنما كان اندفاعة حيوية انطلقت من شعور معين، أول بالأحرى من ما – فوق – شعور حاول التغلب على العقبات التي واجهتها المادة لكي يجعل منها أداة للحرية. وأعاد بالتالي وضع الإنسان في سلسلة المخلوقات الحيوانية واجداً مفتاح تركيبه العقلي في جهازه العضوي الحيوي. لكنه هنا سرعان ما عاد للتفريق بين الإنسان والحيوان تفرقة جذرية فاتحاً أمام الإنسان منظورات تطوّر روحي حقيقي ” – عبد الرحمن بدوي موسوعة الفلسفة – . ولهذا يخبرنا برجسون  ان ليس في الكون مخطط محدّد سلفاً كما الحال لدى أصحاب النزعة الغائية ،  وليس ثمة ما هو متوقع كما يقول اصحاب النزعة الآلية. فالتطور يأتي مباغتاً  ، في عالم يُختَرَع ويعاد اختراعه دون هوادة. وبالتالي فإن برجسون يقرّ بوجود قوة خلاقة أنشأت الكون لتكون ذات فعل حاسم في تطوّره. ، مؤكداً في الوقت نفسه ان ثمة في الكون ما هو أعلى من العقل، الذي هو مجرد أداة للفعل وهو الوجدان  أو الحدس القادر وحده على فهم الحياة وإدراك ما هو متغيّر في الديمومة الزمنية.
ويمدنا برجسون في كتابه ” منبعا الاخلاق والدين ” بفلسفته الخاصة عن التطور التي يرجعها الى هذين العنصرين ” الاخلاق والدين ” ففي الانسان يوجد دافع غريزي نحو التعاون الاجتماعي وهو حسب رايه ياتي من الله ، ومع ذلك عندما حصل الانسان على العقل او الذكاء في البداية كان هناك خطر شديد  وهو ان تجعله قوته العقلية انانيا الى حد كبير  وان يستخدم عقله المكتسب حديثا لاغراض فردية تضر المجتمع  ، وتناقض اغراض الدفعة الحية ، ولمنع هذه الكارثة  قامت الطبيعة بدفع الافراد الى الشعور بانهم يواجهون إرادة المجتمع ، تلك الارادة  التي يُعبر عنها بالعادات والتقاليد  والمحرمات التي يشعرون انهم مجبرون على الخضوع لها ، وقد نشأ فيما بعد خطر مضاد للتطور البشري اذ اصبح ثقل العادات والمحرمات مسؤولاً عن تقاعس الجنس البشري عن طريق قصورها وقسوتها ، وهددت الحرية بالضياع  واصبح التقدم مستحيلا ، ويعتقد برجسون ان الدين لو وظف بشكله الصحيح لاستطاع ان يعمل كثيرا لتعزيز  تقدم البشرية وهو يرى اننا بحاجة إلى مجتمع اكثر روحانية  وقيم اجتماعية عادلة وديمقراطية،  مجتمع يخلوا من الحروب  والمنازعات  مجتمع تستطيع البشرية ان تعيش فيه بحب وانسانية ، وان الانسان يستطيع ان يبلغ حياة افضل في هذا العالم  لو انه بذل المزيد من الجهد الانساني الضروري
ويرى برجسون اننا لو اثبتنا ان الانسان حر ، بدت نظرية داروين  في التطور في ضوء جديد ، فالانسان ليس العوبة في يد التنازع المادي القاسي لقانون البقاء للاصلح ، فالحياة ليست نتاج قوانين آلية ، وهي ليست كالنهر يجري بقوة  ليدفع الانسان اماما في طريق التطور  والقوة الدافعة ليست خارجة عن الانسان ، بل هي في داخله ،” ان الحياة فنان يعمل من تلقاء نفسه ” فهي تبشر في كل لحظة بانها ستزدهر  وتغدو شيئا لم يخطر في البال ، انها تنبع من حقيقة رائعة ، ” ان جوهر حياة الانسان الخلاقة هو الله ”  والحياة تدفع الى الاعلى ” فالحيوان يسمو على النبات والانسان يبسط سلطانه على الحيوان  والبشرية كلها  مكانا وزماناً جيش واحد ضخم  يركض بجانب كل منا وامامه وخلفه  في حملة جانحة قادرة  على دك كل مقاومة  وازالة كل عقبة”.
***
البحث عن الزمن المفقود
اهتم برجسون في تحديد مفهوم للزمن وهو يقول :  ” ماذا عسانا أن نكون في الواقع، أو ماذا عسى أن يكون طبعنا، إن لم تكن تلك الحصيلة المركزة التي تجمعت من تاريخ حياتنا السابقة، منذ ولادتنا حتى الآن، إن لم نقل قبل ولادتنا، مادمنا نحمل معنا ميولا وراثية أو استعدادات سابقة على الولادة ؟ ” ثم يستطرد صاحب كتاب “التطور المبدع”، فيقول: “صحيح أننا لا نفكر إلا بجزء ضئيل من ماضينا، و لكننا نرغب، و نريد، و نعمل، بماضينا كله، مع ما ينطوي عليه من اتجاه أصلي قد اتخذته نفوسنا منذ البداية. و إذن فإن من شأن ماضينا أن ينكشف لنا بأكمله من خلال قوته الدافعة على شكل ميل أو اتجاه، ولو أن جانبًا ضئيلًا منه فقط هوالذي يستحيل إلى تصور عقلي ” .
ولكن برجسون لا يقتصر على القول بأن من شأن الماضي أن يظل حيًّا باقيًا في الحاضر، بل هو يقرر أيضًا أن من المحال الشعور أن يمر بنفس الحالة مرتين، وذلك لأنه مهما تكن الظروف متشابهة، أو مهما تكن الملابسات واحدة، فإنها لاتؤثر مطلقًا على شخصية واحدة بعينها، مادامت تعرض لها في لحظة جديدة من لحظات تاريخها. و لما كانت شخصيتنا في تكون مستمر، لإنها تبني ذاتها في كل لحظة، مستعينة بما تجمّع لديها من تجارب، فإن شخصيتنا في تغيّر دائم دون أدنى توقف أو انقطاع. و هذا هو السبب في أنه لا يمكن أن تتكرَّر في أعماق شعورنا حالة نفسية واحدة، حتى لو بَدَا لنا ــ لأول وهلة ــ أننا بإزاء ظاهرة واحدة بعينها.
و حين يقول برجسون إن حياتنا الزمانية متجددة لا تقبل الإعادة، فهو يعني بذلك أنه ليس في استطاعتنا أن نعيش من جديد أدنى جزء من أجزاء حياتنا ! و لكن  استحالة الإعادةــ في رأي برجسون ــ ليست إلا نتيجة لبقاء الذكريات حيّة في باطن الشعور: “إذ تتوالى الحالات النفسية في مجرى الشعور، مكتسبة في كل مرة صبغة جديدة، نتيجة لذكرى الحالات السابقة المختزنة من ذي قبل في صميم الوعي، و بذلك نجد أنفسنا دائمًا بإزاء لحظة جديدة أصيلة من لحظات تاريخ حيّ متجدد لشخصية متطورة نامية”!
هذه النظرية عن الزمن التي ابتدعها برجسون كان لها تاثيرا كبيرا على عدد  عدد من أبرز كتاب زمانه ومنهم مارسيل بروست حيث يؤكد نقاد الادب  إن «البحث عن الزمن المفقود»، رواية بروست الأساسية، ليست في نهاية الأمر سوى تطبيق أدبي لنظرية برجسون حول مفهوم الزمن.

((المدى))